ألواح إيبلا
١٧٠٠٠ لوح مسماري من تلّ مَردِيخ في شمال سوريا تكشف مملكة سامية كبرى ولغةً أختاً للعبرية — قبل إبراهيم بألف سنة.
الرواية الكتابية
قبل أن يكون لإسرائيل اسم بزمن طويل، وقبل أن يخرج إبراهيم من أور بقرون، ازدهرت مملكة سامية كبرى في تلال شمال سوريا. عاصمتها كانت إيبلا — تلّ مَردِيخ جنوب غرب حلب — ومن أكروبوليسها حكَم ملوك الألف الثالث إمبراطوريّة من الصوف والخشب والقصدير. لا يعرف الكتاب المقدس شيئاً عن إيبلا؛ كانت قد قامت وسقطت قبل تدوين سفر التكوين بألف سنة. ومع ذلك، حين عادت أرشيفاتها الطينيّة إلى الظهور عام ١٩٧٤، نطقَت بلسان ساميّ ابن عمّ للعبرية، ونطقَت به في الأجيال نفسها التي يَنسبها سفر التكوين إلى السلسلة من سام إلى عابر.
الاسم 'عابر' — الجدّ الذي يَنسب إليه العبرانيّون اسمهم — هو ما أثار أوّلاً مُخبري الكشف الأوائل. كانت المملكة تُدعى إيبلا، وكتب كَتَبَتها عن ملك يُدعى إبْ-رِيوم. في المخيال الشعبي كان هذا عابر نفسه؛ أمّا في نظر فقهاء اللغة المتأنّين فقد كان ملكاً إيبلائياً اسمه إبريوم، يَشترك في جذرٍ ساميّ ولكنّه ليس أباً كتابيّاً. خَفتت الإثارة الأولى، لكنّ العالم الإيبلائي الذي رسمَتْه لم يَخْفَ.
ما بقي كان صورةً لحضارة سامية جدّيّة — آلهتها داجان ورَشَب وكُورا، قرابين الحبوب ومراثي المدن، رسائل الدبلوماسية وطرق التجارة الجارية جنوباً إلى مَاري وشرقاً إلى كِيش — تَعمل بالأسلوب نفسه وفي المنظر نفسه الذي ستَرِثه سرديّات الآباء لاحقاً. إيبلا ليست عالم سفر التكوين، لكنّها العالم الذي نَبَت منه عالم سفر التكوين.
انتهت المملكة بالنار. نحو ٢٣٠٠ ق.م احترق قصر تلّ مَردِيخ الكبير حتى الأساس، وأُغلقت غرف أرشيفه تحت الركام. تَبنّى الفضلَ الملوكُ الأكدّيّون من بيت سرجون؛ وتَفاخرت كتابات نَرام-سين اللاحقة بفتح إيبلا. والنار التي دمّرت المدينة شَوَت ألواحها، فحُفظت — بالمفارقة نفسها التي حفظت مَاري وحَتّوسا — سليمةً ثلاثة وأربعين قرناً، تَنتظر مِجرفة عالم آثار إيطاليّ.
هذه مواليد سام... وَوُلِد لِعابر ابنان: اسم الواحد فالَج.سفر التكوين ١٠:٢١-٢٥
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تلّ مَردِيخ، تلّ بمساحة ٥٦ هكتاراً يَقع على بُعد ٥٥ كم جنوب غرب حلب، عُرّف بإيبلا القديمة استناداً إلى نصف تمثال من البازلت للملك إبّيت-ليم اكتُشف عام ١٩٦٨ مع كتابة إهداء تُسمّي المدينة. وبدأ التنقيب بقيادة باولو ماتييه من جامعة سابيينزا في روما عام ١٩٦٤ واستمرّ، مع انقطاعات بسبب الحرب الأهلية السورية، إلى القرن الحالي. وكان موسم المفصل ١٩٧٤-١٩٧٦، حين أنتجت سلسلة من الغرف الصغيرة في الجناح الغربي من القصر الملكي G نحو ١٧٠٠٠ لوح مسماريّ وكسرة — أكبر أرشيف ألفيّ ثالث استُرِدّ على الإطلاق.
أُرّخت الألواح بطبقات الفخّار وبخطّها المسماريّ من العصر الأكدّي إلى نحو ٢٤٠٠-٢٣٠٠ ق.م، أواخر السلالات المبكّرة وبدايات العصر الأكدّي. كُتبت بلغتَين: السومرية، اللغة المشتركة للتدريب الكتابيّ في جنوب الرافدَين، ولغة سامية شرقية لم تكن معروفة من قبل تُسمّى الآن الإيبلائيّة. وأرسى فكّ الترميز، بقيادة جيوفاني بِتّيناتو ثم بالشكل الأكثر تحفّظاً لألفونسو أركي، الإيبلائيّةَ بوصفها لغةً أختاً للأكدّية المبكّرة، تَشترك في خصائص مع لغات سامية شمالية-غربية لاحقة منها الأوغاريتية والعبرية.
الأرشيف اقتصاديّ في غالبيّته الساحقة: قوائم حصص غذاء، توزيعات منسوجات، حسابات معادن وصوف، هدايا إلى ملوك أجانب ومنهم. لكنّه يَتضمّن أيضاً رسائل دولة، ومعاهدات (فمعاهدة إيبلا وأَبَرسَل أقدم معاهدة دولية معروفة)، ومراسيم ملكية، ومعاجم (قوائم معجمية ثنائية اللغة سومرية-إيبلائية)، وذخيرة صغيرة من نصوص أدبية وطقوسية — منها أناشيد لشَمَش وكسرة من قصيدة خَلق.
إيبلا التاريخية التي يَكشفها الأرشيف كانت قوّة إقليمية كبرى: تتاجر بالنسيج مقابل القصدير واللازورد مع ممالك بعيدة كإيران، وتُحشد جيوشاً من عشرات الآلاف، وتتنازع الفرات الأعلى مع مَاري ونَجار. وطبقة دمارها — أفق احتراق سَمكه متر واحد عَرضياً عبر القصر G — مؤرّخة بأمان، وإن ظلّت هويّة المُدمِّر موضع جدل بين أنصار سرجون ونَرام-سين ونَهْب من مَاري.
حوّلت ألواح إيبلا صورتنا عن سوريا الألف الثالث من هامش بسيط إلى مركز للقراءة والكتابة وفنّ الدولة والثقافة السامية بحقّ ذاتها.ألفونسو أركي، إيبلا وأرشيفاتها (٢٠١٥)