إيليا كابيتولينا
يبني هادريان القدس من جديد مستعمرةً وثنيّةً ومعبداً ليوبيتر فوق جبل الهيكل، وتُحرَّم على اليهود تحت طائلة الموت.
الرواية الكتابية
حين هدأ الغبار في بيتار في أواخر صيف ١٣٥ م — حين سقط آخر مدافعي بار كوخبا وبدأ مسّاحو هادريان يمشون في شوارع القدس المهدَّمة — مدّ الإمبراطور يده إلى أداةٍ أصلب من السيف. أعاد تسمية المدينة. مدينة القدس مدينةُ داود وسليمان والأنبياء والهيكل الثاني ويسوع والحاخامين — أورشليم — ستُدعى بمرسومٍ إمبراطوريّ ״إيليا كابيتولينا״: إيليا من اسم عائلة هادريان (بوبليوس إيليوس هادريانوس)، وكابيتولينا نسبةً إلى الثالوث الكابيتوليّ يوبيتر ويونو ومينرفا، الذي كُرّست له المستعمرة الجديدة.
أقام هادريان فوق ركام جبل الهيكل معبداً ليوبيتر الكابيتوليّ، ربّما زُيّن بتمثال فارسٍ للإمبراطور نفسه. يُسجّل كاسيوس ديو (٦٩:١٢) أنّ هذه الاستفزازات، التي صدرت قبل الثورة، أسهمت في إشعالها؛ ويكتب المؤرّخ أوسابيوس (تاريخ الكنيسة ٤:٦) أنّ ״الأمّة بأسرها مُنعت منذ ذلك الحين من أن تطأ قدمٌ منها حتى منطقة القدس، بمرسومٍ رسميٍّ من هادريان أمر فيه ألا ينظروا حتى من بعيد إلى تربة آبائهم.״
صُهرت عملات بار كوسبا المضروبة ״لحرّيّة إسرائيل״؛ وحلَّت محلَّها دناريرات وبرونزيّات تحمل اختصار COL AEL KAP، مع صور المؤسِّس وهو يحرث ״البوميريوم״، الحدّ المقدّس للمدينة، بزوج الثور والبقرة الطقسيّ. كانت المستعمرة الرومانيّة بالتعريف أرضاً أجنبيّة — قطعةً من إيطاليا مزروعةً، بمنتداها وكاردواتها وديكومانوسها وأقواس نصرها. وحيث وقفت قلعة أنطونيا، أطّر بابٌ مقنطر (قوس Ecce Homo، أو بالأحرى رواقه الثالث المرمَّم) المدخل الشرقيّ للمنتدى الجديد.
وفوق كلّ ذلك، بمرسومٍ من هادريان، لم يكن لأيّ يهوديٍّ أن يدخل. مرّةً في السنة، يوم التاسع من آب، تخبرنا الذاكرة الحاخاميّة، سمح الرومان لليهود بالصعود ليبكوا على حجرٍ من البيت المخرَّب — مقابل أجرٍ. وإلا فالمدينة مغلقةٌ في وجه أبنائها. وأُعيدت تسمية المقاطعة إلى سوريا فلسطين، فمُحيت يهوذا من الخريطة. لن تكون القدس مدينةً يهوديّةً مرّةً أخرى بأيّ معنىً سياسيّ مدّةَ ألفٍ وثمانمئةٍ واثني عشر عاماً.
في أورشليم أسّس مدينةً مكان تلك التي سُوِّيت بالأرض، فسمّاها إيليا كابيتولينا، وعلى موضع هيكل الإله رفع هيكلاً جديداً ليوبيتر.كاسيوس ديو، التاريخ الروماني ٦٩:١٢
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
استُعيدت البصمة الأثريّة لإيليا كابيتولينا قطعةً قطعةً عبر قرنٍ ونصفٍ من التنقيب. أنفاق تشارلز وارن في ستينيّات القرن التاسع عشر، وحفريات الانتداب البريطانيّ في عشرينيّات العشرين، وستراتيغرافيا كاثلين كينيون في الستينيّات، وحفريات نحمان أفيغاد في الحيّ اليهوديّ بعد ١٩٦٧، وأنفاق دان باهات تحت الحائط الغربيّ، أعطتنا مجتمعةً مخطَّط مستعمرة هادريان. شارعها الرئيسيّ، الكاردو ماكسيموس، يسري شمالاً-جنوباً من باب العمود إلى باب صهيون الحاليّ؛ ولا يزال بإمكانك المشي اليوم على مقطعٍ من بلاطه ذي الأعمدة في الحيّ اليهوديّ، تحت سطح الشارع الحديث.
تحفظ خريطة مادبا — فسيفساء بيزنطيّة من القرن السادس على أرض كنيسة في الأردنّ — أوضح صورةٍ مفردة لمخطّط المستعمرة. تظهر القدس مدينةً بيضاويّة محصَّنة يُهيمن عليها الكاردو، مع ساحةٍ بيضاويّة كبرى داخل البوّابة الشماليّة (باب العمود، حيث نقَّب فريق سيدار الساحة الرومانيّة سنة ١٩٧٩-٨٤، ويُرى جزءٌ منها اليوم تحت الأرض). ويضع توجيه الخريطة، بالشرق إلى الأعلى، الكاردو محوراً عموديّاً — هو الهيكل الرومانيّ ذاته الذي لا تزال البلدة القديمة الحديثة تتعلّق به.
ويحفظ باب العمود نفسه بناءً هادريانيّاً تحت الواجهة العثمانيّة. كشفت حفريات ١٩٧٩–١٩٨٤ بقيادة منحم مَجِن البوّابة الرومانيّة الأصليّة ذات الأقواس الثلاثة (مدخلٌ مركزيٌّ كبير ومدخلان جانبيّان)، والنقش الذي يسمّي المدينة COL AEL KAP، وساحةً مرصوفة يُهيمن عليها عمود نصرٍ منحت قاعدته بابَ العمود اسمه العربيّ. أمّا العمود نفسه فقد ضاع، لكنّ موضعه ثابت بالنقطة الحمراء على خريطة مادبا عند المدخل الشماليّ الرئيسيّ للمدينة.
يقول كتاب يارون إلياف ״جبل الله״ (٢٠٠٥) إنّ منصّة جبل الهيكل ذاتها في العصر الإيليائيّ ربّما لم تكن موقع معبد هادريان الكابيتوليّ — فربّما قام ذلك المعبد قرب كنيسة القيامة الحاليّة أو في المنتدى شماليّها — بل كانت حرماً هامشيّاً نصف مهدَّم، لا مقدَّساً ولا مبنيّاً منهجيّاً. وافتراضُ المسيرة المقدَّسة اللاحقة للمنصَّة، أوّلاً تحت هيلانة أمّ قسطنطين ثم تحت الخليفة الأمويّ عبد الملك الذي بنى قبّة الصخرة عام ٦٩١، يفترض الفراغ الذي تركه هادريان قائماً.
لم يكن تحويل القدس إلى إيليا كابيتولينا مجرَّد إعادة تسمية، بل كان فعل محوٍ واعياً ومدروساً ومعماريّاً — ونجاح ذلك المحو يُقاس بأنّ البلدة القديمة الحديثة لا تزال حفيدتَه.يارون إلياف، ״جبل الله״ (٢٠٠٥)، بتصرّف