الثورة العربية الكبرى 1936–1939
ثورةٌ فلسطينية-عربية ثلاثية السنين على الهجرة اليهودية والحكم البريطاني أعادت رسم مشهد الانتداب وزرعت 1948.
الرواية الكتابية
في ربيع سنة خمسة آلاف وستّمئة وستٍّ وتسعين، في مدينتَي يافا ونابلس، اجتمع زعماء عرب فلسطين فأَعلَنوا إضراباً عامّاً. أَقفِلوا الحوانيت. أَوقِفوا الحافلات. لا تَدفعوا الضرائب البريطانية. حتى تُغلَق أبوابُ الهجرة اليهودية؛ وحتى يُحرَّم بيع أرض العرب لليهود؛ وحتى يُمنح عربُ فلسطين حكومةً قومية عربية — حتى ذلك الحين تَقف البلادُ ساكنة. أُقيمت 'اللجنة العربية العليا' فوق الإضراب، وفوق اللجنة وقف مفتي القدس، الحاج أمين الحسيني، بعمامته البيضاء تحت قبّة الأقصى المُذَهَّبة.
وَدَام الإضراب ستّةَ أشهر، أطولَ إضرابٍ سياسي عامّ في التاريخ الاستعماري، وحين رُفع أخيراً بتدخُّل ملوكِ العالم العربي — ابنِ سعود في الجزيرة، وفيصل في العراق، وعبد الله في شرقي الأردنّ — رُفع لكي يَدعو البريطانيّون لجنةً ملكية، ولكي تُخرج اللجنةُ توصية. جاءت التوصية في الشهر الحادي عشر من سنة خمسة آلاف وستّمئة وسبعٍ وتسعين: التقسيم. اقترح اللورد پيل أن تُقطَع الأرضُ نصفَين — دولة يهودية صغيرة في السهل الساحلي والجليل، ودولة عربية تُغطّي معظم الباقي، وممرّاً بريطانيّاً للقدس وبيت لحم.
رَفَض العرب التقسيمَ مطلقاً. وقَبِل المؤتمر الصهيوني في زيوريخ المبدأَ مع المساومة على الحدود. وفي خريف تلك السنة تحوَّل الإضرابُ المنتهي إلى ثورة. نَزَلَتْ من قُرى جبال الجليل وجبال الخليل ومُثَلَّث نابلس عصاباتٌ مسلَّحة بقيادة عبد القادر الحسيني وعارف عبد الرازق والمعلِّم عزّ الدين القسّام الذي كان قد قُتل في كهفه سنة 1935 — فكَمَنوا للقوافل البريطانية، ونَسَفوا الخطوط الحديدية، وهاجموا المستوطنات اليهودية، وحَمَلوا البنادق المتوارَثة من أيّام الأتراك.
ردَّ البريطانيّون بوحشية. نَسَفوا بيوتاً في يافا القديمة لإفراغ أزقّة القنّاصين. هَدَموا قرية حلحول. شَنَقوا مقاتلين عرباً بأحكامٍ عسكرية. حتى سنة خمسة آلاف وستّمئة وتسعٍ وتسعين، حين قُمِعت الثورةُ أخيراً، مات خمسةُ آلاف عربي، ومات أربعمئة يهودي، ومات مئتا جندي بريطاني، وكُسرت القيادة الفلسطينية-العربية — نُفي المفتي إلى لبنان، فإلى العراق، فإلى برلين، حيث سيلتمس لاحقاً مقابلة هتلر. لم تُوقف الثورةُ الوطنَ اليهودي؛ بل أَضعفت قدرة العرب على مقاومة ما هو آتٍ.
نصفُ رغيفٍ خيرٌ من لا خبز؛ سنقبل التقسيم، لكنّنا لن نتخلّى عن مبدأ الدولة اليهودية.ديڤيد بن غوريون للجنة التنفيذية الصهيونية بشأن تقرير لجنة پيل، تموز 1937
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
الثورة العربية الكبرى 1936–1939، التي تُسمَّى أحياناً 'الثورة العربية الكبرى' أو 'الثورة الفلسطينية الكبرى'، هي موضوع كتاب تيد سويدنبرغ Memories of Revolt (مينيسوتا 1995، تاريخ شفوي)، وكتاب ماثيو هيوز Britain's Pacification of Palestine (كامبردج 2019، تاريخ عسكري)، وكتاب رشيد الخالدي The Iron Cage (بيكون 2006، تاريخ سياسي). تَكَشَّفَتْ في طورَين فصلت بينهما تحقيقات اللجنة الملكية (لجنة پيل): إضرابٌ عامّ ستّةَ أشهر من نيسان إلى تشرين الأوّل 1936، ثم تمرُّدٌ مسلَّح من خريف 1937 إلى ربيع 1939.
أَشعلت الثورةَ مظالمُ عربية متراكمة على تطوُّرات الانتداب: هجرةٌ يهودية متسارعة بعد استيلاء النازيّين على ألمانيا (دخل فلسطين قانونيّاً سنة 1935 وحدها 61,854 يهوديّاً، وهو أعلى رقم سنوي في الانتداب)، وارتفاع مبيعات الأرض للمؤسّسات اليهودية عبر الصندوق القومي اليهودي، وفشلٌ بريطاني مُتَصَوَّر في الوفاء بوعود الحكم الذاتي التمثيلي. وَسَمَ هجومُ أنصار القسّام في 13 نيسان 1936 على قافلة يهودية قرب عَنَبتا، والعنفُ الجماعي اللاحق في يافا في 19 نيسان، بدايةَ المقاومة المنظَّمة تحت 'اللجنة العربية العليا' المُشَكَّلة حديثاً برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني.
أَجرَت لجنةُ پيل، بقيادة الإيرل پيل وبمشاركة المؤرّخ ريجينالد كوبلاند، جلسات استماعٍ في تشرين الثاني–كانون الأوّل 1936، ونَشَرت تقريرَها في 7 تموز 1937 (Cmd. 5479). اقترحت أوّلَ خطّة تقسيم: دولة يهودية بنحو 5,000 كم2 تَشمل الجليل والسهل الساحلي، ودولة عربية تتّحد مع شرق الأردنّ تَشمل البقيّة، وممرّ تحت الإدارة البريطانية يَشمل القدس وبيت لحم ويافا. كما تَوَخَّت الخطّةُ نقلاً قَسريّاً للسكّان — نحو 225,000 عربي و1,250 يهودي — عبر الحدود المقترحة. قَبِل المؤتمرُ الصهيوني في زيوريخ في آب 1937 مبدأَ التقسيم بفارقٍ ضيّق 299–160؛ ورفضت اللجنة العربية العليا التقسيمَ رفضاً مطلقاً.
أُديرَت المرحلة العسكرية للثورة، من تشرين الأوّل 1937 إلى ربيع 1939، عبر فصائل ريفية غير نظامية بقيادة شخصيّاتٍ منهم عبد القادر الحسيني، وعارف عبد الرازق، ويوسف سعيد أبو دُرَّة، والمتطوّع السوريّ فوزي القاوقجي. ضَمَّت إجراءاتُ المضادَّة البريطانية قوّةَ شرطة فلسطين الموسَّعة لتشارلز تيغارت، وبناءَ 'جدار تيغارت' على الحدود اللبنانية، و'وحدات الليل الخاصّة' بقيادة الكابتن أورد وينغيت (التي دَرَّبت أعضاء الهَغاناه على مكافحة التمرُّد، ومنهم جنرالا إسرائيل المستقبليّان يغآل ألون وموشيه ديّان)، واستخدامَ العقوبات الجماعية. حتى 1939، تَجاوز إجمالي قَتلى العرب 5,000 مع نحو 14,000 جريح؛ واقترب قَتلى اليهود من 500؛ وبَلَغ قَتلى الجيش والشرطة البريطانيَّين نحو 250. وفَرَض مؤتمرُ سانت جيمس في شباط 1939 وكتابُه الأبيض الناجم عنه في 17 أيّار 1939 سقفاً للهجرة اليهودية بـ75,000 على خمس سنوات، فأُرجئ التقسيم فعليّاً.
هَدَمت ثورةُ 1936–39 القيادةَ الفلسطينية-العربية للجيل القديم، وشتَّتت مؤسّساتها الوطنية، وتَركت الميدانَ خالياً لحركةٍ صهيونية باتت مدعومةً بمناصرةٍ دولية لناجي المحرقة.رشيد الخالدي، الكوب الحديدي (2006)