بَلعام العرّاف
استأجر بالاق ملك مؤاب نبيّاً أجنبيّاً ليلعن إسرائيل؛ فباركهم بدلاً من ذلك، وتكلّمت أتانه.
الرواية الكتابية
نظر بالاق بن صفّور، ملك مؤاب، إلى إسرائيل وهم يخيّمون في سهوله الشرقية فأرعبه ما رأى. كان قد رأى ما فعل إسرائيل بالأموريّين؛ يعرف أنّ سيفه لن يكفي. فأرسل رسلاً شمالاً بعيداً، إلى فَتورَ على الفرات، إلى عرّافٍ غريبٍ ذائع الصيت: بَلعام بن بَعور، نبيٌّ يُتقن صِيَغ اللعن والبركة. قال بالاق: تعالَ العَن لي هذا الشعب فإنّه أقوى منّي؛ مَن باركتَه فهو مبارَك ومَن لعنتَه فهو ملعون.
ما يأتي بعد ذلك هو أغرب سرديّة نبيّ في التوراة. بَلعام عرّافٌ غير إسرائيلي يسمع صوت الربّ ويُطيعه — أحياناً. ينطلق إلى مؤاب، يتردّد، ينطلق ثانية. في الطريق ترى أتانه ملاكَ الربّ واقفاً بسيفٍ مشهور وترفض أن تتقدّم. يضربها بَلعام ثلاث مرّات. يفتح الربّ فمَ الأتان فتتكلّم: ماذا فعلتُ بك حتى ضربتني هذه ثلاث مرّات؟ ثم انفتحت عينا بَلعام فرأى الملاك أيضاً. الأتان، البهيمة الخرساء، كانت العرّافة؛ والعرّافُ كان الأعمى.
يأخذ بالاق بَلعامَ إلى ثلاثة مرتفعاتٍ مشرفة على معسكر إسرائيل. في كلّ مرّة يبني بالاق سبعة مذابح ويقدّم سبعة ثيران وسبعة كباش، منتظراً اللعنة. في كلّ مرّة يحلّ روح الله على بَلعام فيفتح فاه ليبارك. ما أحسنَ خيامَك يا يعقوب، مساكنَك يا إسرائيل! يستشيط بالاق غضباً — دعوتُك لتلعن أعدائي فباركتَهم ثلاث مرّات — لكنّ بَلعام يجيب أنّه لا يقدر إلّا أن يقول ما يجعله الربّ في فمه. ثم يطلق نبوءةً رابعة وأخيرة، رؤيةَ كوكبٍ يخرج من يعقوب وقضيبٍ يقوم من إسرائيل.
ثم يعود إلى دياره — لكنّ تقليداً أكثر قتامةً (سفر العدد ٣١:١٦) يقول إنّه قبل ذلك أرشد المؤابيّين والمدْيانيّين إلى سبيل هزيمة إسرائيل بغير السلاح: عبر نساء مؤاب في بعل فعور. بَلعام هو النبيّ الذي بارك إسرائيل بفمه ونصح بإفسادهم بمشورته. يموت لاحقاً بسيف إسرائيل. يصفه الحاخامات بالمنافق؛ والنصّ يتركه أخلاقياً ملتبساً، الفمَ الأجنبيّ الذي استخدمه الربّ على رغم ذلك.
ما أحسنَ خيامَك يا يعقوب، مساكنَك يا إسرائيل!سفر العدد ٢٤:٥
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
رواية بَلعام (العدد ٢٢-٢٤) من الروايات القليلة في العبرية المقدّسة التي تلقّت تأكيداً خارجياً لافتاً. سنة ١٩٦٧ نقّب فريق هولندي بقيادة هنك فرانكن في تلّ دير علاّ في وادي الأردنّ، على بعد نحو خمسة كيلومترات شمال ملتقى اليبّوق بالأردنّ، فاكتشف شظايا كتابة جدارية على جصّ بحبر أحمر وأسود. حين أعيد تركيب النصّ ونُشر على يد ياكوب هوفتيتسر وخريت فان دير كوي سنة ١٩٧٦، كان السطر الافتتاحي: حديث بَلعام بن بَعور، الرجل الذي كان عرّاف الآلهة.
تُؤرَّخ كتابة دير علاّ بحسب الباليوغرافيا والطبقات الأثرية إلى نحو ٨٠٠ ق.م — تقريباً عصر هوشَع — وتصف بَلعام يتلقّى رؤيا ليلية من الآلهة عن كارثة وشيكة. النصّ بلهجةٍ شمالية-غربية ساميّة، وسيطة بين الآرامية والكنعانية، تُسمّى أحياناً الجلعادية. ليست هي قصة بَلعام التوراتية، لكنّها تؤكّد أنّ تقليداً أدبياً عن عرّافٍ غير إسرائيلي اسمه ‹بَلعام بن بَعور› كان يدور في وسط شرق الأردنّ في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد. هذا أحد أبرز الإثباتات الأثرية لشخصية توراتية خارج سلالات الملوك.
تنتمي الرواية أيضاً إلى نوعٍ معروف في العصر البرونزي المتأخّر. تشهد النصوص الطقسية الحثّية وسلاسل الرُّقى الرافدينية وممارسات اللعن الغرب-سامية كلُّها على متخصّصي لعنٍ محترفين يستأجرهم الملوك لإضعاف جيوش الأعداء طقسياً قبل المعركة. نصوص اللعن المصرية في الدولة الوسطى — جرارٌ وتماثيل طينية تحمل أسماء حكّامٍ أجانب وتُحطَّم طقسياً — هي أقرب نظيرٍ مادّي.
تُعدّ النبوءات الأربع نفسها (العدد ٢٣:٧-١٠؛ ٢٣:١٨-٢٤؛ ٢٤:٣-٩؛ ٢٤:١٥-٢٤) عند علماء اللغة من أقدم الشعر العبري في التوراة. تستعمل مفرداتٍ قديمةً غير معتادة، وأنماطَ توازٍ قريبة من الشعر الأوغاريتي، ووزناً يُلمح إلى تأليفٍ شفهي. ذهب و. ف. ألبرايت إلى أنّ النبوءات تحفظ شعراً حقيقياً من ما قبل عصر المَلكية.
تقف كتابة دير علاّ شاهداً من أبرز التأكيدات الأثرية على شخصيةٍ توراتية: نبيٌّ معادٍ من شرق الأردنّ، باسمه التوراتي بالضبط، يُذكر في تقليدٍ ديني غير إسرائيلي بعد أربعة قرون من الأحداث التي تنسبها إليه التوراة.ب. كايل ماكارتر، نصوص بَلعام من دير علاّ (١٩٨٠)