وعد بلفور
رسالةٌ من سبعٍ وستّين كلمة من وزير الخارجية البريطاني تعهَّدت بِـ'وطن قومي للشعب اليهودي' في فلسطين — مع صَون حقوق غير اليهود فيها.
الرواية الكتابية
في السنة الثالثة من الحرب الكبرى التي ابتلعت ملوك أوروبا، في اليوم الثاني من الشهر الحادي عشر من سنة خمسة آلاف وستّمئة وثمانٍ وسبعين، جلس وزير خارجية الإمبراطورية البريطانية، آرثر جيمس بلفور، في مكتبه بِـ'وايتهول' ووَقَّع باسمه على رسالةٍ من سبعٍ وستّين كلمة. وَجَّهَها إلى اللورد ڤالتر روتشيلد، لينقلها إلى الاتّحاد الصهيوني. سبعٌ وستّون كلمة. أَقصرُ نصٍّ ألزمت به إمبراطوريةٌ نفسَها يوماً بمنح وطنٍ لشعبٍ لم يَملك واحداً منذ ألفٍ وثمانمئة سنة.
وكانت الكلمات هكذا: تنظر حكومة جلالته بعين العطف إلى إنشاء وطنٍ قوميّ للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف، على أن يُفهَم بوضوحٍ أنّه لن يُفعَل شيءٌ يَمسّ الحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، ولا الحقوقَ والمكانة السياسية التي يَتمتَّع بها اليهود في أيّ بلدٍ آخر. شرطان من وَعد، وشرطان من صون، نُسجا معاً كلُحْمةٍ وسَدًى لثوبٍ واحد.
خلف الرسالة وقف الكيميائيُّ حاييم ڤايتسمان، الذي زوَّد البحرية البريطانية بالأسيتون لصُنع 'الكورديت' لقذائفها، فلم يَطلب في المقابل سوى أُذُن لويد جورج رئيس الوزراء وبلفور نفسه؛ ونحوم سوكولوڤ الذي طاف رِواقَ باريس وروما والڤاتيكان؛ ومارك سايكس الدبلوماسيُّ البريطاني الذي رَسَم تقسيم الشرق العثماني السرّي مع الفرنسي پيكو، وَأَعار قلمه الآن للقضية. وكانت الحركةُ الصهيونية، التي بدأها هرتسل قبل عشرين سنة في قاعة احتفالاتٍ بفندقٍ ببال، قد بَلَغَت مكتبَ إمبراطورية.
وفي مدن منطقة الاستيطان، في وارسو وڤيلنا وكييڤ، رَقَصَ اليهود في الشوارع حين وَصَلَ الخبر بالأسلاك، وقال الحاخامات 'شِهِحَيانو'، وقَرَأ معلِّمو العبرية في ثانويّات تلّ أبيب الكلماتِ على صفوفهم. وفي القاهرة ودمشق والقدس، تلقّى زعماءُ العرب الخبرَ بصمتِ الذُّهول. الرسالةُ نفسُها التي مَنَحَت وطناً قوميّاً لشعبٍ، أَطلقت خصومةَ الأجيال بين شعبَين على أرضٍ واحدة. ولم يكن البريطانيّون، في ثقتهم الاستعمارية، قد قاسوا بعدُ ثِقَل الكلمات التي وَقَّعوها بهذه السهولة.
تنظر حكومةُ جلالته بعين العطف إلى إنشاء وطنٍ قوميٍّ للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف.رسالة آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد، 2 تشرين الثاني 1917
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
وعد بلفور في 2 تشرين الثاني 1917 — وهو رسميّاً رسالة من وزير الخارجية آرثر جيمس بلفور إلى ڤالتر روتشيلد البارون الثاني، لنقلها إلى الاتّحاد الصهيوني لبريطانيا وأيرلندا — هو وثيقة تأسيس الدعم البريطاني للصهيونية، وإحدى أعظم 67 كلمة أثراً في تاريخ الدبلوماسية الحديثة. الدراسة الأكاديمية المعيارية هي The Balfour Declaration: The Origins of the Arab-Israeli Conflict لجوناثان شنير (راندوم هاوس 2010)؛ وللخلفية الدبلوماسية الصهيونية يبقى كتاب يشَعيا فريدمان The Question of Palestine, 1914–1918 (شوكِن 1973) لا غنى عنه.
صِيغ النصُّ في خمس صياغاتٍ متعاقبة لمجلس الوزراء بين حزيران وتشرين الأوّل 1917. كانت المسوّدة الصهيونية الأصلية التي قَدَّمها روتشيلد وڤايتسمان في 12 تموز 1917 تَدعو فلسطينَ 'الوطنَ القومي للشعب اليهودي'؛ نقَّحها مجلس الوزراء إلى 'وطنٍ قوميٍّ للشعب اليهودي' لتجنُّب الإيحاء بسيادة حصرية. وعُقد اجتماع المجلس الحاسم في 31 تشرين الأوّل 1917، حيث عارض إدوين مونتاغيو، وزير الدولة لشؤون الهند اليهوديّ، الإعلانَ بحجّة أنّه سيَنال من الوضع المدني لليهود في غير فلسطين — فأُدرج البندُ الواقي الثاني الخاصّ باليهود 'في أيّ بلدٍ آخر'.
تعدَّدت الدوافع البريطانية. استراتيجيّاً، اعتقد المجلس (خطأً) أنّ الميل المؤيّد للصهيونية سيُعجِّل دخولَ الولايات المتّحدة الحربَ ويُبقي روسيا فيها بعد ثورة شباط. وجيوسياسيّاً، كان دعم الوطن القومي اليهودي وسيلةً لتسويغ السيطرة البريطانية على فلسطين بعد الحرب، في وجه المطالب الفرنسية بموجب اتّفاق سايكس-پيكو 1916. أيديولوجيّاً، حمل عدّةُ أعضاءٍ في المجلس — بلفور نفسه، ولويد جورج، واللورد روبرت سيسل — قناعاتٍ صهيوفيليّة وألفيّة أصلُها بروتستانتي. وعَمل مارك سايكس ضابطَ هيئة الأركان الرئيسي، وسيطاً بين المجلس واللجنة التنفيذية الصهيونية.
أُدمج الإعلان في البِنية القانونية لانتداب فلسطين البريطاني، الذي أَقَرَّه مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920، وصدَّقت عليه عُصبةُ الأمم في تموز 1922. وَنال بذلك مكانةَ القانون الدولي الملزِم لفترة الانتداب. وبَنى التَّناقضُ بين بند 'الوطن القومي' والبند الواقي للجماعات 'غير اليهودية القائمة' فترةَ الانتداب كلَّها؛ وقد وَثَّقَ آڤي شلايم وتوم سيغڤ (One Palestine, Complete، 2000) ورشيد الخالدي (The Iron Cage، 2006) المعضلاتِ الاستراتيجية والإنسانية الناجمة. أمّا الرسالة الأصلية لبلفور فمحفوظة في المكتبة البريطانية؛ ونسخةٌ مطبوعةٌ في الخارجية محفوظة في أرشيف دولة إسرائيل بالقدس.
سبعٌ وستّون كلمة قَيَّدَت إمبراطوريةً بشعب، وفَتَحَت الباب لدولة، وحَصَرت الصراعَ بين شعبَين في النحو السياسي للقرن العشرين.جوناثان شنير، وعد بلفور (2010)