رسائل بار كوخبا
تكشف بعثة ييغائيل يادين في مغارة الرسائل بناحال حيفر (١٩٦٠-١٩٦١) رسائل بار كوخبا الأصليّة — وعظام مَن اختبأوا هناك.
الرواية الكتابية
ظلّ شمعون بار كوزيبا — بار كوخبا، ابن النجم — ثمانية عشر قرناً اسماً في حكاية. ترجَّع نداء الحاخام عكيفا ״هذا هو الملك المسيح״ في تلمود أورشليم (تعنيت ٤:٨) دون صوتٍ يردّ من الرجل نفسه. غدت الذاكرة الحاخاميّة متذبذبة: صار بار كوزيبا، ابن الكذب، المسيح الزائف الذي كلّفت غطرسته جيلاً من الحكماء. لم تحفظ القرون شيئاً من كلماته، ولا من خطّ يده، ولا من أوامره العسكريّة.
ثم في آذار ١٩٦٠ نزل ييغائيل يادين — جنديٌّ وعالم آثار، ابنُ الموسوعيّ إ.ل. سوكنيك الذي اقتنى أوّل لفائف البحر الميت — إلى مغارة منعزلة في الجروف المطلّة على وادي ناحال حيفر في صحراء يهوذا. لا يُبلغ المغارة إلا بحبالٍ تُدلّى من قمّة الجرف؛ تحتها يهوي الوادي مئتي متر. في كوّةٍ من تلك المغارة، مغلَّفة بالجلود، رقدت حزمةٌ من خمس عشرة رسالة بثلاث لغات — العبريّة والآراميّة واليونانيّة — مكتوبةٌ من المقرّ الميداني لبار كوخبا إلى قادته في الأشهر الأخيرة من الثورة.
لم يكن الصوت الذي خرج صوتَ الأسطورة. ״شمعون بار كوسبا، الناسي على إسرائيل، إلى يهوناتان وماسبالا، سلام.״ ثم المطالب. أرسلوا القمح. أرسلوا الملح. أرسلوا الرجال. صادروا أملاك الذين يأبَون الصعود إلى المعسكر. ״سأعاقبكم.״ والجليليّون غير معفَيّين. اصعدوا بالأترجّ والسعف للعيد، ليؤدّي الجنود فريضة الأنواع الأربعة.
إلى جوار الرسائل أشياء أخرى. مرآة برونزيّة لامرأة، مصقولةٌ ببريقٍ شديد. حزمةٌ من عقود زواج وصكوك تخصّ امرأةً تُدعى بابثا بنت شمعون من ولاية العرب الرومانيّة، فرّت بأوراقها وابنها. وفي حجرة أعمق من المغارة عظام أربعين لاجئاً — رجالاً ونساءً وأطفالاً — اختبأوا هناك من لجيونات تينيوس روفوس حتى أنّ الرومان، إذ عجزوا عن النزول، خيّموا فوق الجرف وانتظروا. خارج فم المغارة عثر يادين على مجمَّعات حمّاماتٍ رومانيّة، شُيِّدت ليتسنّى للجنود فوق الانتظار براحة. أمّا في الأسفل فجاعت العائلات.
شمعون بار كوسبا، الناسي على إسرائيل، إلى يهوناتان وماسبالا، سلام. أُشهد السماء عليّ — إن لم تحشدوا أهل الجليل... فلأضعنّ القيود في أرجلكم.مغارة الرسائل، رسالة بار كوخبا، نحو ١٣٤ م
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
كانت بعثتا ١٩٦٠ و١٩٦١ إلى صحراء يهوذا عمليةَ أربع فرق نظّمتها الجمعيّة الإسرائيليّة لاكتشاف الأرض، وتقاسمها ييغائيل يادين، ونحمان أفيغاد، ويوحانان أهروني، وفِسَح بار-أدون. خُصِّص لكلّ فريقٍ مقطعٌ من جروف وديان البحر الميت. أخذ يادين المقطع المطلّ على ناحال حيفر، حيث ظلّ الرعاة البدو يُخرجون منذ سنين عاديّاتٍ. أنتجت مغارة الرسائل (5/6Hev) ومغارة الرعب (8Hev) أكثر الاكتشافات إبهاراً.
تتألّف ذخيرة رسائل بار كوخبا من خمس عشرة وثيقة (بعضها مجزَّأ)، ثمانٍ بالآراميّة، وستٌّ بالعبريّة، وواحدة باليونانيّة. وُجِّهت أساساً إلى يهوناتان بن بَعْيَان وماسبالا بن شمعون، قائدَين في عين جدي على الشاطئ الغربيّ للبحر الميت. تتمحور الرسائل كلّها تقريباً حول اللوجستيّات: مصادرة الطعام، إرسال الفارّين، ضبط الحصاد، ولوازم الطقس. تكشف عن دولة تمرّدٍ مُدارةٍ بصرامة لا انتفاضةً فوضويّة.
إلى جانب المراسلات العسكريّة احتوت المغارة على الأرشيف الشخصيّ لبابثا بنت شمعون (P.Yadin 1–35)، خمسٌ وثلاثون وثيقة قانونيّة باليونانيّة والآراميّة والنبطيّة، تمتدّ من ٩٤ إلى ١٣٢ م. تتضمّن عقود زواجها وصكوكَ بساتين تمرٍ في معوزة جنوب البحر الميت، وقضايا حضانة ابنها، وإيصالات ضرائب. أرشيف بابثا واحدٌ من أغنى النوافذ التوثيقيّة المفتوحة على حياة امرأةٍ يهوديّةٍ من أبناء الولاية في الشرق الرومانيّ.
أمّا هياكل اللاجئين الأربعين، التي استُخرجت مع صنادلهم المنسوجة وسلالهم وأوانيهم الزجاجيّة ومفاتيح بيوتٍ وكنزٍ من قطع طقسيّة برونزيّة (بدا أنّها من غنائم ضريحٍ روماني أُحدرَت لأجل المعدن)، فترّوي حكايةً لا ترويها الرسائل. ويُوثَّق الحصار الروماني للمغارة أثريّاً عبر المعسكرات التي عثر عليها يادين في الهضبة فوق. لم يسقط المدافعون في معركة؛ ببساطة نفد ماؤهم. أُغلقت المغارة على يد الناجين، أو على يد الرومان لاحقاً، وبقيت مغلقة حتى ١٩٦٠.
حين فرغت من قراءة الرسالة ارتعشت يداي. كنت أحمل بين كفّيّ المراسلات الأصليّة لرجلٍ حكم هنا ملكاً قبل ألفٍ وثمانمئة سنة.ييغائيل يادين، ״بار كوخبا״ (١٩٧١)