لوحة قبر بَني حَسَن
موكب من ٣٧ سامياً آسيوياً في قبر خَنوم-حُتب الثاني في بَني حَسَن — صورةٌ عمرُها ٤٠٠٠ سنة لحياة الآباء.
الرواية الكتابية
يَصِف سفر التكوين عالمَ رعاةٍ غرب-ساميّين مع قُطعانهم وحُمُرهم، يَنزحون بين كنعان ومصر كما تَدفعهم الفصول والمجاعات. نَزل إبراهيم إلى مصر في مجاعة؛ ونُهي إسحاق عن النزول؛ ونَزل بنو يعقوب مرّتَين لشراء الحبّ، وفي المرّة الثانية تَبِعت العائلةُ وأقامت. والصورة هي صورة حدود نَفّاذة، عشائرَ صغيرة تَجلب ماشيتها وقليلاً من الأمتعة وتُقدِّم نفسها أمام أيّ موظّف مصري كان يَملك قلعةَ الحدود ذلك اليوم.
ولأكثر القرون الألفَين الماضيتَين، كانت تلك الصورة موضع إيمان لا غير. ثم في عام ١٨٩٣، نَشَر عالم المصريّات البريطاني بِرسي نيوبيري النقوشَ المُلوّنة من قبر من الدولة الوسطى في الجرف فوق النيل عند بَني حَسَن، على بُعد مئتَي كيلومتر جنوب القاهرة. وعلى الجدار الشمالي للسجلّ الثاني من قبر النوماركيّ خَنوم-حُتب الثاني، المؤرَّخ بكتابة إلى السنة السادسة من حُكم فرعون سنوسرت الثاني — ١٨٩٢ ق.م — كان موكبٌ من سبعةٍ وثلاثين سامياً آسيوياً، رجالاً ونساءً وأطفالاً، يَقودون حُمُراً مُحمَّلةً بمَنافيخ ووُعول، يُقدِّمون أنفسهم أمام موظّف بَني حَسَن.
وقائد الجماعة مذكورٌ في النقش الهيروغليفي المرافق: أَبيشَع، حَكاو-خاسوت، 'حاكم البلاد الأجنبيّة' — وهو المصطلحُ التقنيّ الذي سَيُترجمه مَنيتو لاحقاً إلى اليونانيّة باسم هكسوس. يَحمل عصا رميٍ منحنية على كتفه. ويَلبس الرجال أثواباً مخطّطة متعدّدة الألوان مَشدودة من كتفٍ واحدة. وتَحمل النساءُ أطفالهنّ على ظهورهنّ في حمّالات. لقد جاؤوا بسلعٍ للمقايضة — كحلاً، وجلوداً مدبوغة، ووُعولاً — ويَستقبلهم الحاكم المصريّ في مقابلةٍ ودودة.
إنّه أقربُ ما استرجعَ في العالم من لقطةٍ لحياة عصر الآباء. ساميّو بَني حَسَن ليسوا إسرائيليّين؛ والموكب يَسبق التاريخَ الذي يَنسبه سفر التكوين إلى إبراهيم بنحو قرن؛ وهم يأتون من الصحراء الشرقية لا من كنعان. لكنّهم النوع نفسه من الناس الذي تَصِفه سرديّاتُ الآباء — شيوخ عشائر ساميّة آسيوية يَجلبون الماشية إلى مصر — وقد التُقطوا متلبّسين بفعل ما يَقول سفرُ التكوين إنّهم فعلوه، ومُلوَّنين بألوانٍ لا تزال بعد أربعة آلاف سنة زاهيةً على جدار الحجر الجيريّ.
وكان الجوع شديداً في الأرض. ولمّا فرَغوا من أكل القمح الذي جاءوا به من مصر، قال لهم أبوهم: ارجِعوا اشتروا لنا قليل طعام.سفر التكوين ٤٣:١-٢
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
بَني حَسَن جبّانةٌ جرفية على الضفّة الشرقية للنيل، على بُعد ٢٣ كم جنوب المنيا، تَضمّ ٣٩ قبراً منحوتاً في الصخر للنوماركيّين من الأسرة الثانية عشرة لمقاطعة المَهَا (المقاطعة السادسة عشرة من مصر العليا). ونُحتت القبور في الجرف الجيريّ في عهود أمنمحات الأوّل وسنوسرت الأوّل وأمنمحات الثاني وسنوسرت الثاني — نحو ١٩٩١-١٨٧٨ ق.م. والقبر رقم ٣، قبر خَنوم-حُتب الثاني، أكبرُها وأكثرُها زخرفة؛ ويَحتلّ ما يُسمّى 'الموكب الآسيوي' السجلَّ الأعلى من الجدار الشمالي.
سَجَّلَ الموقعَ لأوّل مرّة بصورة منهجية جون غارستانغ وبِرسي نيوبيري لصالح صندوق استكشاف مصر في تسعينيّات القرن التاسع عشر؛ ولا يزال كتابُ نيوبيري في مجلّدَين 'بَني حَسَن' (١٨٩٣-١٨٩٤) المنشورَ التأسيسيّ. وأُعيد توثيقُ النقوش بتصوير حديث على يد المركز الأسترالي لعلم المصريّات بقيادة نجيب قَنواتي منذ عام ١٩٩٠، ولتَحلّ سلسلةُ بَني حَسَن متعدّدة المجلّدات محلّ النسخ المُوازية الأقدم.
نَقشُ التعليق الهيروغليفي على الموكب قصيرٌ لكنّه دقيقٌ قانونياً: يُعرِّف أبيشَع بحَكاو-خاسوت، ويُسمّي مجموعة الكبير بـ'سبعة وثلاثين'، ويَسرد الهدايا التي يُقدِّمونها. والمصطلحُ حَكاو-خاسوت هو التسمية المصرية التقنية لشيخ آسيويّ في الدولة الوسطى؛ وحَفِظَه مَنيتو بعد قرون باليونانية بصيغة هكسوس، علامة الأسرة الخامسة عشرة من الملوك الآسيويّين في أوارِس. فأبيشَع إذن ليس جدّاً إسرائيلياً بل حالةٌ مبكّرة موثَّقة من الفئة الاجتماعية-السياسية ذاتها التي خَرَج منها فراعنةُ الهكسوس اللاحقون.
أمّا تعريفاتُ أبيشَع بشخصيّاتٍ كتابيّة — التي راجَت في الأدب العباديّ الأوروبي في القرن التاسع عشر، حيث سُمّي أحياناً 'أخا إبراهيم' — فلا أساسَ علميّاً لها. والاسم الشخصي أبيشَع (ʾbiš) غرب-سامي وموثَّق جيّداً في كتابات العصر البرونزي؛ وليس أكثر 'كتابيّةً' ممّا قد يكون 'يوسف' أو 'رأوبين' في سياقٍ شامي معاصر. والقيمةُ التاريخية للنقش ليست بوصفه صورةً لأبٍ بعينه بل دليلاً على تنقّل عشائريّ ساميّ روتينيّ وكبير إلى مصر الدولة الوسطى — وهو بالضبط نمط الهجرة الذي يَفترضه سفر التكوين.
موكبُ بَني حَسَن أهمُّ وثيقة بصرية لدينا عن الرعاة الغرب-ساميّين في مصر مطلع الألف الثاني؛ ولولاه لَما توافر تصديقٌ تصويريّ لسرديّات الآباء.كنث كيتشن، عن موثوقيّة العهد القديم (٢٠٠٣)