بيتا إسرائيل: يهود إثيوبيا
جماعاتٌ جبليّةٌ حفظت يهوديّةً توراتيّة بلا تلمود، وادّعت نسبةً إلى سليمان وبلقيس، ثمّ عادت إلى أرضها في عمليّتَي موسى وسليمان.
الرواية الكتابية
بيتا إسرائيل — بيتُ إسرائيل — هم يهود مرتفعات إثيوبيا، الذين سمَّوا أنفسهم ״إسرائيل״ وحسب، وسمّاهم جيرانهم ״فلاشا״، أي الغرباء بلا أرض. تقول روايتهم إنّهم من حاشية مَنَلِيك الأوّل ابن الملك سليمان وملكة سبأ، الذي تذكر الملحمة الإثيوبيّة ״كِبرا نَغَست״ أنّه نقل تابوت العهد من القدس إلى أكسوم ومعه جماعةٌ من الكهنة واللاويّين. وثمّة فروعٌ أخرى من الرواية تنسبهم إلى سبط دان الذي ضاع في طريق العودة من مصر، أو إلى جنود يهودٍ خدموا في المستعمرة العسكرية في إيب.
ما هو مؤكّدٌ أنّهم حفظوا يهوديّةً توراتيّةً لا تعرف التقليد الحاخاميّ. كان كتابهم المقدّس ״أُورِيت״ — أسفار موسى بالغِعِز، اللغة الطقسيّة الكلاسيكيّة لإثيوبيا — إلى جانب الأنبياء والكتب المنحولة لدى يهود الغرب: اليوبيلات وحنوخ وطوبيّا ويهوديت والمكابيين. حافظوا على السبت بصرامةٍ مطلقة، واحتفلوا بكلّ الأعياد التوراتيّة، وختنوا في اليوم الثامن، وحفظوا قوانين طهارةٍ مفصّلة بما فيها كوخ الحيض المعزول ״مَرْغَم غُوجو״، وكان لهم كهنةٌ — الكِسوخ — يُقدّمون الذبائح على مذابح حجرية إلى أن خبا الأمر في القرن التاسع عشر.
لم يعرفوا حانوكا ولا بوريم — وهما عيدان متأخّران عن العهد القديم. ولم يعرفوا التلمود ولا المشناة ولا الرمبام. كانت سنتُهم السنةَ التوراتية، ومحكمتُهم كاهنَ القرية، وأملُهم جيلاً بعد جيل العودةَ إلى القدس. كانوا يصلّون متّجهين شمالاً نحو المدينة المقدّسة، ويقود الكسوخ ترتيلاتٍ بالغعز تُلفظ فيها كلمات عبرية — إسرائيل، صهيون، أورشليم — تربطهم بوطنٍ لم يروه قطّ.
في 1860 دخل الباحث الفرنسي اليهودي جوزيف هاليفي قراهم أوّلَ من الغرب اليهودي، ثم بدأ جاك فيتلوفيتش في 1900 العمل على إعادة وصلهم باليهود. وبعد فتوى الحاخام السفاردي عوفاديا يوسف عام 1973 بأنّ بيتا إسرائيل يهودٌ من سبط دان لهم حقّ العودة، نفّذت إسرائيل عمليّتَي إنقاذ استثنائيّتَين: ״عملية موسى״ 1984-85 أحضرت 8,000 من مخيّمات السودان؛ و״عملية سليمان״ في 24-25 أيار/مايو 1991 نقلت 14,325 شخصاً من أديس أبابا في 36 ساعة عند سقوط نظام مَنغيستو.
نحن لم ״نأتِ״ إلى إسرائيل. نحن عُدنا. صلّى آباءُ آبائنا كلّ سبتٍ ليعودوا، وها نحن هنا.فِرِدِه يَزِزِو أَكْلوم، مُقتبَسٌ عند شموئيل يلما، ״من فلاشا إلى حرّ״ (1996)
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تذهب الدراساتُ الحديثة، ولا سيّما كتابا ستيفن كابلان ״بيتا إسرائيل في إثيوبيا״ (1992) وجيمس كويرين ״تطوُّر اليهود الإثيوبيّين״ (1992)، إلى أنّ بيتا إسرائيل تشكّلوا جماعةً مستقلّة بين القرنَين الرابع عشر والسادس عشر — لا بهجرةٍ من خارج بل بعمليّة تباينٍ ديني داخل المسيحيّة الإثيوبيّة، إذ تبلور فصيلٌ ذو توجّهٍ توراتيّ جماعةً يهوديّةً منفصلةً في مرتفعات غُونْدَر وتيغراي.
لا تنفي هذه الفرضيّة التأثيرَ اليهوديَّ القديم في الدين الإثيوبيّ ككلّ — فهو ظاهرٌ في كلّ شيءٍ من حفظ السبت في الكنيسة الأرثوذكسيّة الإثيوبية إلى مركزيّة التابوت في تقاليد أكسوم — لكنّها تُحدِّد تشكُّلَ بيتا إسرائيل جماعةً يهوديّةً واعيةً لذاتها في إثيوبيا أواخر العصر الوسيط، في صراعٍ سياسيّ ودينيّ طويلٍ مع الأباطرة السلوميّين.
تُسانِد الدراساتُ الجينيّة هذا التصوّر. وجد بهار وآخرون (Nature 2010) وهودجسون وآخرون (PLoS Genetics 2014) أنّ بيتا إسرائيل يتجمّعون جينيّاً مع الإثيوبيّين غير اليهود. وهذا لا يقدح في يهوديّتهم: فالهوية الدينيّة ليست فئةً بيولوجيّة، وقد قضى الفقهاء منذ الرَّضْباز في القرن السادس عشر بصحّة منزلتهم.
نُفِّذت عملية موسى (تشرين الثاني 1984 — كانون الثاني 1985) فأُحضِر نحو 8,000 من مخيّمات شرق السودان عبر بروكسل. ونُفِّذت عملية سليمان (24-25 أيار 1991) في 36 ساعةً بـ35 طائرة، منها بوينغ 747 لشركة العال نقلت 1,088 راكباً في رحلة واحدة — رقمٌ قياسيّ عالميّ. وعدد الإثيوبيّين-الإسرائيليّين اليوم نحو 168,000.
بيتا إسرائيل ليست بقايا هجرةٍ قديمةٍ بل ثمرةَ عمليّةٍ محليّةٍ طويلةٍ من التباين اليهودي داخل المجتمع الإثيوبي.ستيفن كابلان، ״بيتا إسرائيل في إثيوبيا״ (1992)