بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
هيرودس يوسع الهيكل
قصة

قيصرية البحريّة لهيرودس

٢٢–١٠ ق.م

هيرودس يبني ميناءً عميقَ المياه بالخرسانة الهيدروليكية على ساحل البحر — أكبرَ ميناءٍ صناعيٍّ في العالم الرومانيّ، ولاحقاً عاصمةَ الولاة الرومان على يهوذا.

الرواية الكتابية

ولمّا بنى هيرودس الملك بيتَ الربّ والقلعة المعروفة بأنطونيا، وقصوراً في القدس وفي أريحا وفي مصادا وفي هيرودِيون، وحصوناً على كلّ جبلٍ وعند كلّ معبرٍ صحراويّ، التمس بعدُ مشروعاً عظيماً آخر يَخلّد اسمه بين ملوك الأمم. والتفت ببصره إلى البحر — إلى الموضع المسمّى بُرج إستراطون، على ساحل سَهل شارون بين يافا ودور — حيث لا ميناء، بل شاطئٌ مفتوحٌ طويلٌ لا تستقرّ عليه سفينةٌ بسلام.

فاستدعى الصُنّاع من كلّ أرض، بنّائين ونحّاتين وغوّاصين ومهندسين، وأنفق فضّةً لا تُعدّ، وقال: ابنوا لي هاهنا مدينة. اصنعوا لي حِمايةً من ريح الجنوبيّة الغربيّة، تستريح فيها السفن العظيمة من الإسكندرية ومن صور ومن قبرص، ومن الأندلس في الغرب ومن البُنطس في الشمال. لتكن أعظم من ميناء بِيرايوس؛ لتكن عجباً للأمم.

وأخذ الصُنّاع حجارةً لا تُعدّ، ودَلَّوها بالحبال والرافعات إلى الأعماق، عشرين قامةً في الماء، فبنوا بها رصيفاً يمتدّ إلى البحر مئتَي ذراعٍ عرضاً، نصفُه كاسرٌ للأمواج، ونصفُه الآخر رواقٌ مُسقَّف تُفرَّغ فيه السفنُ بمأمنٍ من المطر والعاصفة. وبَنَوا خلف الميناء مدينةً من حجرٍ أبيض، فيها هيكلٌ للقيصر أوغسطس وللآلهة رومية، ومضمارُ سباقٍ على ضفّة البحر، ومسرحٌ منحوتٌ في المنحدر، وقناةُ ماءٍ طولها عشرة فراسخ تجلب الماء النقيّ من ينابيع جبل الكرمل.

وبعد اثنتَي عشرة سنةً انتهى العمل، فسمّاها هيرودس قيصرية إكراماً لراعيه قيصر؛ وأقام فيها ألعاباً خمسة عشر يوماً، وجلب وحوش أفريقيا، ومصارعي رومية، ورياضيي كلّ مدينةٍ يونانية. ومنذ ذلك اليوم صارت قيصريةُ مَقرَّ الولاة الرومانيّين على يهوذا — وفيها، في زمن القيصر طِيبيريوس، جلس بيلاطُس البُنطيّ، وكان والياً حين صُلِب سيّدنا.

لم تكن لديه مادّةٌ لائقةٌ يستخدمها لعملٍ بهذا الحجم، والمكانُ نفسه كان ضدّ مقاصده؛ لكنّه تغلّب على الصعوبة بسخائه، وأنجز عملاً رفضت الطبيعةُ منحَه.يوسيفوس، الآثار اليهودية الـ١٥، ٣٣٢

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

بنى هيرودس الكبير قيصرية البحريّة بين نحو ٢٢ و١٠ ق.م على موقع المستوطنة الهلنستية المهجورة ׳بُرج إستراطون׳ (يوسيفوس، الآثار الـ١٥، ٣٣١–٣٤١، الحرب الأوّل، ٤٠٨–٤١٥). والميناء، المسمّى ׳سَباستوس׳ (يونانيّة لأوغسطس)، كان أكبرَ ميناءٍ صناعيٍّ في العالم الرومانيّ زمن بنائه — خمسون هكتاراً من الحوض المغلق، مع رصيفَين عظيمَين يبلغ مجموع طولهما نحو ٨٠٠ متر.

وقاد الأركيولوجيا تحت الماء البارزة في الميناء أفنير رابان (جامعة حيفا) وروبرت هوهلفلدر (جامعة كولورادو) بين ١٩٨٠ و٢٠٠٣. ووثّقا استخدام البوزولانا — الرماد البركانيّ المستورد من خليج نابولي — مخلوطةً بالكلس وماء البحر لإنتاج خرسانةٍ هيدروليكيّةٍ تتصلّب تحت الماء. ويصف فيتروفيوس (في العمارة الـ٥، ١٢، ٢) الوصفة؛ ورصيفا قيصرية، المؤرَّخان بدليلٍ خَزفيٍّ ودَنْدروكرونولوجيٍّ إلى أواخر القرن الأوّل ق.م، هما أبكر تطبيقٍ رومانيٍّ واسع النطاق لهذه التقنية في شرقيّ المتوسّط.

وقد خفّض الهبوطُ والنشاطُ التكتونيّ الرصيفَين ٥–٧ أمتار تحت خطّ مياههما الأصليّ؛ واستخرج الأركيولوجيون قوالب الخشب (الكَيسونات) التي صُبّ فيها الخرسانة، محفوظةً بفعل الطين اللّاهوائيّ — ومنها أختام مورِّدي خشبٍ إيطاليّين وأسماء نجّاري سفنٍ من زمن هيرودس. وبحلول القرن الثالث الميلاديّ كان الميناء يَطمر بالرمل؛ وعند الاحتلال الصليبيّ في القرن الثاني عشر لم يبقَ صالحاً للاستعمال إلاّ حوضٌ داخليٌّ صغير.

أمّا نقشُ بيلاطُس — الذي اكتشفته بعثةٌ إيطاليّةٌ بقيادة أنطونيو فروفا سنة ١٩٦١، وكان قد أُعيد استخدامُه درجةً في مسرح قيصرية المُرمَّم — فهو حجرٌ تكريسيٌّ من أربعة أسطرٍ باللاتينية يقرأ: [DIS AUGUSTI]S TIBERIEUM / [PON]TIUS PILATUS / [PRAEF]ECTUS IUDA[EA]E / [REF]E[CIT]. وهو النقش المعاصر الوحيد الذي يَذكر اسم بيلاطُس البُنطيّ، ويؤكّد (خلافاً للتقليد المسيحيّ المبكّر الذي دعاه ״بروكوراتور״) أنّ لقبه الصحيح في ثلاثينيّات القرن الميلاديّ كان ׳برافِكتوس׳، أي رئيس — كما يَرِد اللقب تماماً في النقوش الرومانيّة المقاطعيّة المبكّرة.

ميناء سَباستوس في قيصرية أطمحُ منشأةٍ هندسيّةٍ مدنيّةٍ نجت من حكم هيرودس. واكتشاف رصيفَي الميناء الخرسانيَّين تحت الماء في الثمانينيّات أكّد الجرأةَ التقنية التي وصفها يوسيفوس.روبرت هوهلفلدر، سَباستوس: مجمَّع ميناء الملك هيرودس (١٩٨٥)، بتصرّف