بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
استقلال إسرائيل
قصة

اتفاقيّات كامب ديفيد

أيلول ١٩٧٨

ثلاثةَ عشرَ يوماً في منتجعٍ بميريلاند: بيغن والسادات وكارتر يصوغون أوّلَ معاهدةِ سلامٍ بين دولةٍ عربيّة وإسرائيل — سيناء مقابل السلام، وُقِّعت في آذار 1979.

الرواية الكتابية

كانت الرهانات الدينية-النصية في كامب ديفيد في أيلول 1978 تجري تحت السطح الدبلوماسي. سيناء، وهي الإقليم الذي وُضع على طاولة المفاوضات، هي عينُ البريّة التي تُحدِّد فيها المرويّة الإسرائيلية مكان نزول التوراة. أمّا بالنسبة لمناحم بيغن، الذي تشكَّل في الصهيونية التصحيحية لزئيف جابوتنسكي وفي الوسط الديني-القومي لبريسك في حقبة ما بين الحربَين، فإنّ أرض إسرائيل كانت أمانةً عهديّة — لكنّ سيناء نفسها، الواقعة خارج الحدود الموعودة في سفر التكوين ١٥ وسفر العدد ٣٤، تقع خارج التراث العهدي. هذا التمييز النصّي هو ما أتاح لبيغن، وحده بين رؤساء الوزراء الإسرائيليين، أن يتنازل عن أرضٍ مفتوحة بالحرب دون أن يُناقض الإطار الصهيوني-الديني الذي استمدّ منه شرعيّته.

وكان تأطير أنور السادات نصّياً بنفس القدر. تردَّدت في خطاباته العامّة شخصيّةُ يوسف والقرابةُ الإبراهيميّة بين الديانات السماوية الثلاث؛ افتُتح خطابه غير المسبوق أمام الكنيست في تشرين الثاني 1977 بسورة الفاتحة واستشهد بآيات قرآنية عن بني إسرائيل. وفي التقليد الفقهي الإسلامي، تُحكَم مسألة المعاهدة مع كيانٍ غير مسلمٍ يَحوز أرضاً كانت يوماً جزءاً من دار الإسلام بفقهَيْ الصُّلح والهدنة؛ وقد قدَّم مستشاروه الشرعيّون في الأزهر، برئاسة الشيخ عبد الحليم محمود، الفتاوى التي أعادت تأطير المفاوضات بوصفها صُلحاً جائزاً لا استسلاماً مُحرَّماً.

أيّامُ التفاوض الثلاثة عشر، بوساطة جيمي كارتر — وهو معمدانيٌّ جنوبيّ يقرأ الكتاب المقدّس يوميّاً وقد أنتج في مرحلةٍ ما قائمةً بخطّ يده بأسماء أحفاد السادات لكسر طريقٍ مسدود — دارت مرارٍ وتكراراً حول مسألة القدس والضفّة الغربية، اللتَين كان بيغن يَدعوهما باسمَيهما التوراتيَّين، يهودا والسامرة. أرجأ اتفاقُ الإطار الموقَّع في 17 أيلول 1978 تلك المسائل. أمّا صيغةُ الحُكم الذاتي للسكّان الفلسطينيّين فقد استمدَّت، في صياغة بيغن، من نظام المِلَّة في الحقبة العثمانية لا من أيّ نموذجٍ توراتي؛ ورفض هو لغة السيادة.

أمّا معاهدة السلام نفسها، الموقَّعة في واشنطن في 26 آذار 1979، فقد أطَّرها الزعيمان بإيقاعٍ مقدَّس. استشهد السادات برؤيا النبي إشعياء في تحويل السيوف إلى محاريث؛ واستشهد بيغن بمزمور ١٢٦. ولم يحُل التأطير الديني دون كلفةِ المعاهدة الداخلية: اغتيل السادات في 6 تشرين الأول 1981 على يد عناصر من تنظيم الجهاد الإسلامي حصلوا على فتوى من الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن تُعلنه حاكماً مرتدّاً تحت عقيدة التكفير.

لا حربَ بعد اليوم، ولا إراقةَ دم، ولا ثَكَل.أنور السادات، خطابٌ في الكنيست، 20 تشرين الثاني 1977

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

كان السياق الاستراتيجي لكامب ديفيد هو ما تلا حرب تشرين 1973 واتفاقَيْ فضّ الاشتباك اللذَين توسَّط فيهما هنري كيسنجر عام 1974 وسيناء الثانية في أيلول 1975. وبحلول 1977 كانت مصرُ مُفلِسة: فقد أخفق انفتاحُ السادات الاقتصادي في اجتذاب رأس المال الغربي، فيما توقَّفت المعونةُ السوفياتية بعد طرد المستشارين عام 1972. وتُبيِّن دراسةُ ويليام كوانت المرجعية كامب ديفيد: صُنعُ السلام والسياسة (بروكينغز، 1986)، المستندة إلى وثائق مجلس الأمن القومي المُفرَج عنها، أنّ زيارة السادات للقدس في تشرين الثاني 1977 سبقتها اتّصالاتٌ سرّية بوساطة مغربية في الرباط بين حسن التهامي وموشيه دايان قبل ذلك بشهرَين.

استمرَّت قمّة كامب ديفيد من 5 إلى 17 أيلول 1978. واستندت تحضيراتُ كارتر، الموثَّقة في كتاب لورنس رايت ثلاثة عشر يوماً في أيلول (2014) وفي كتاب كارتر نفسه إبقاءُ العهد (1982)، إلى ملفّاتٍ استخباراتية أعدَّها مكتب التحليل السياسي في وكالة المخابرات المركزية وإلى دراسةٍ سلوكية كُلِّف بها أطبّاءُ النفس في وولتر ريد. أمّا وثيقتا الإطار الموقَّعتان في 17 أيلول — إطارٌ للسلام في الشرق الأوسط وإطارٌ لإبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل — فقد صاغها أساساً مساعدُ الرئيس كوانت والمستشارُ القانوني الإسرائيلي أهارون باراك، الذي أصبح لاحقاً رئيساً للمحكمة العليا الإسرائيلية.

كانت المقايضةُ الجوهرية واضحة: انسحابٌ إسرائيلي كاملٌ من سيناء، بما في ذلك تفكيكُ مطارَيْ عتسيون وإيتام ومجمَّع مستوطنات يميت، مقابلَ اعترافٍ مصريٍّ كامل، وتجريدِ سيناء من السلاح تحت قوّةٍ متعدّدة الجنسيات (MFO ومقرُّها الجورة)، وحرّيةِ الملاحة في مضيق تيران وقناة السويس. وصِيغت رسائلُ جانبية بشأن القدس وبشأن تجميد المستوطنات في الضفّة الغربية لكنّ تأويلها اختُلف عليه فوراً تقريباً — إذ رأى بيغن أنّ التجميد لا يَسري إلا ثلاثة أشهر، فيما أصرَّ كارتر على أنّه يمتدّ طوال مفاوضات الحُكم الذاتي.

حُلِّلت الآثارُ الاستراتيجية للمعاهدة في كتاب كنيث ستاين الدبلوماسية البطولية (1999) وفي الكتابة التاريخية الإسرائيلية لإيتمار رابينوفيتش. فقد جعل خروجُ مصر من التحالف العسكري العربي شَنَّ حربٍ تقليديةٍ منسَّقة على إسرائيل أمراً مستحيلاً بنيوياً بعد 1979 — وهو ما أكّدته حربُ لبنان 1982 وحربُ حزب الله 2006 وحربُ غزّة 2014 بضِيق نطاقها الجغرافي. وكان ردُّ جامعة الدول العربية هو قرارَ قمّة بغداد في تشرين الثاني 1978، الذي عُلِّقت بموجبه عضويةُ مصر ونُقل مقرُّ الجامعة إلى تونس حتى 1989.

لم تكن كامب ديفيد معجزةً استراتيجيةً عظمى. كانت تقنيناً، في صورةٍ قانونيةٍ وإقليمية، لحقائقَ كانت حربُ 1973 قد رسَّختها على الأرض.آفي شلايم، الجدار الحديدي (2000)