قضيّة دمشق
إفك دمويّ في سوريا العثمانية استدرج موسى مونتفيوري وأدولف كريميو إلى أوّل حملة مناصرة يهودية دولية في التاريخ الحديث.
الرواية الكتابية
في مدينة دمشق، تحت مآذن الأحياء القديمة وأجراسها، كان يَسكن في سنة خمسة آلاف وستّ مئة راهبٌ كبّوشي اسمه توماسو، فاختفى هو وخادمه المسلم إبراهيم عمارة، وعلَت صرخة: لقد قتلهما اليهود ليأخذوا دمَهم لخبز فطيرهم في الفصح. كانت تُهمة الدم الموروثة، تلك الفِرية القديمة المولودة في إنكلترا في القرون الوسطى والمحمولة كالداء من بلدٍ إلى بلد، قد بلغت الآن بلاد الشام التي لم تعرفها من قبل — ومنحها قنصل فرنسا راتي-منتون كرامةَ الدولة.
قبضوا على الحلّاق سَلومون نِغرين وعذّبوه على مَنصب التعذيب حتى سَمّى شيوخ الجماعة قتَلَة. قبضوا على سبعة من كبار الحاخامات والتجّار — الحاخام يعقوب أنتيبي، والأخوَين فرحي، والأخوَين هراري — فعذّبوهم هم أيضاً، ضربوا أخمص أقدامهم، ومنعوا عنهم النوم، وصَبّوا عليهم الماء البارد في ليالي شتاء دمشق. أُخذ ثلاثةٌ وستّون طفلاً يهوديّاً من أمّهاتهم رهائنَ. مات اثنان من السجناء تحت العذاب، وأَسلَم واحدٌ هرباً منه. وقفت جماعة دمشق على حافّة الإبادة، وصَمَتَ العالم.
ثم صعد من الغرب رجلٌ بهيبة الملوك، السير موسى مونتفيوري من لندن، وزوجتُه يهوديت إلى جانبه، وخرج من باريس أدولف كريميو محامي الجمهورية اليهودي، وسَلومون مُنك المستشرق، فأبحروا إلى الإسكندرية والقسطنطينية. ركعوا أمام محمد علي والي مصر القابض على دمشق، وتوسّلوا في إخوانهم. كتبوا إلى تايمز لندن. التمسوا اللورد بالمرستون. وبدأ العالم المتمدّن يُصغي.
وفي الشهر الثامن من تلك السنة، أمر محمد علي بالإفراج عن السجناء. وأصدر السلطان عبد المجيد في القسطنطينية فِرماناً أعلن فيه أنّ تهمة الدم فِرية، ممنوعة من ذلك اليوم في جميع ممالكه. انتصرت أوّلُ حملةٍ دولية يهودية للمناصرة، لكنّ الجرح لم يَلتئم. واصلت الصحافة الكاثوليكية في فرنسا الدفاع عن الأب توماسو شهيداً؛ وأُقيمت له شاهدةٌ في دير الكبّوشيّين بدمشق نُقشت عليها 'قتلَهُ اليهود'. ضَربت الفِريةُ خاسرةً عن العرش لكنّها لم تَنمح من قلب أوروبا.
أَلا نزال نحيا في تلك العصور المظلمة من التعصُّب، حين كان اليهوديُّ يُحَمَّل تَبعةَ موت كلّ نصرانيٍّ يُوجد ميتاً في خندق؟أدولف كريميو، خطابٌ في الكونسستوار المركزي، 1840
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
قضيّة دمشق في شباط–أيلول 1840 هي موضوع الدراسة الضخمة لجوناثان فرنكِل The Damascus Affair: 'Ritual Murder', Politics, and the Jews in 1840 (كامبردج 1997)، التي تجمع الأبعاد الدبلوماسية والمجتمعية والفكرية من المصادر الفرنسية والعثمانية والبريطانية والعبرية. اختفاء الأب الكبّوشيّ توماسو من كالنغيانوس، الخاضع للحماية السردينية، وخادمه إبراهيم عمارة في 5 شباط 1840، أَطلق تحقيقاً يقوده القنصل الفرنسي بنوا راتي-منتون، بدعمٍ من الوالي المصري شريف باشا.
استَخدم تحقيقُ راتي-منتون الفَلَكَة وسائر صنوف التعذيب القضائي بحقّ أبناء الجماعة اليهودية لانتزاع اعترافاتٍ تتطابق مع تهمة الدم الموروثة من العصور الوسطى — وهي التهمة التي نشأت في إنكلترا في القرن الثاني عشر، ومفادُها أنّ اليهود يَقتلون أطفال النصارى ليَستخدموا دماءهم في فطير الفصح. اعترف الحلّاق سلومون هاليك (نِغرين في بعض المصادر) تحت الإكراه؛ ويُوثِّق سجلّ الجماعة في دمشق (الپنكاس) ومراسلاتُ المعاصرين المحفوظة في أرشيف مونتفيوري في مكتبة هارتلي بساوثهامبتون أسماءَ المتّهمين الرئيسيّين السبعة، ووفاتَي داڤيد هراري ويوسف لانياضو في الحبس، وإكراهَ موشي أبولعفيا على الإسلام.
تبلورت التدخّلات الدولية حول ثلاثة أشخاص. السير موسى مونتفيوري (1784–1885)، رئيس مجلس مندوبي يهود بريطانيا، نظّم العرائض إلى اللورد بالمرستون وقاد بعثةً إلى مصر والقسطنطينية. أدولف كريميو (1796–1880)، نائب رئيس الكونسستوار المركزي في باريس، حشد الرأي العامّ الليبرالي الفرنسي رغم عداء حكومة 'الملكية التموزية'. سَلومون مُنك (1803–1867)، الباحث في العبرية في المكتبة الملكية، عمل مترجماً وأجرى مقابلات مع السجناء المُفرَج عنهم. وصلت البعثة إلى الإسكندرية في 4 آب 1840.
وُقِّع أمر محمد علي بالإفراج في 28 آب 1840. وأعلن فِرمانُ السلطان عبد المجيد المؤرَّخ في 6 تشرين الثاني 1840، الذي صدر في القسطنطينية بعد مقابلة مونتفيوري ونقله فرنكل بنصِّه كاملاً، أنّ 'هذه التُّهَم الموجَّهة [إلى اليهود] ودينهم ليست إلّا فِرية محضة'، وحظر على جميع المسؤولين العثمانيّين ملاحقةَ اليهود على أساس تُهَم الدم. أَوسَمَت القضيّةُ منعطفاً: أَثبتَتْ أنّ العمل اليهودي الدولي المنظَّم يستطيع ثَني الدبلوماسيّة العظمى، وعجَّلَت الوعيَ السياسي الذي سيُولِّد لاحقاً 'الحلف الإسرائيلي الكوني' (1860) وبصورةٍ مغايرة الصهيونيةَ الحديثة.
كانت دمشق اللحظةَ التي اكتشف فيها يهود غرب أوروبا أنّهم يستطيعون التحدُّث شعباً واحداً على المسرح العالمي — واللحظةَ التي اكتشف فيها العالَم النصراني الأوروبي ذلك.جوناثان فرنكل، قضيّة دمشق (1997)