بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
الحروب الصليبية والأشكناز
قصة

مناظرة برشلونة

تموز/يوليو 1263 ميلادية

ناحمانيدس يُدافع عن اليهودية أمام الملك خايمي الأوّل ملك أراغون والمرتدّ پابلو كريستياني — ويَكتب بنفسه روايته للمناظرة.

الرواية الكتابية

في العشرين من تمّوز يوليو 1263، في القصر الملكي ببرشلونة، بحضور الملك خايمي الأوّل ملك أراغون (خايمِه الفاتح) وحاشيته وأساقفة كَتَلونيا ووفدٍ كبير من رهبان الدومنيكان، نَهض أبرز حاخامي إسبانيا للدفاع عن اليهودية ضدّ تهمةٍ بأنّ التلمود ذاتَه يَعترف بأنّ يسوع هو المسيح المنتظَر. كان ذلك الحاخام موشيه بن ناحمان من جيرونا — ناحمانيدس، المعروف باختصاره العبري الرَمب״ن (1194–1270) — طبيباً وقبّاليّاً ومفسّر كتابٍ مقدَّسٍ والقائدَ الروحي المعتمَد ليهود كَتَلونيا. وكان خصمه الأخ پابلو كريستياني، يهوديّاً من مونپلييه اعتنق المسيحية وانضمّ إلى الدومنيكان، وقد أَمضى سنواتٍ يُنقّب في الأدب الحاخامي عن مقاطع يُمكن قَلبها ضدّ دين أبائه.

استمرّت المناظرة أربع جلساتٍ مَوزَّعة على أسبوع. وكان الشكلُ مفروضاً من قِبَل الدومنيكان: پابلو يَهجم وحدَه؛ ناحمانيدس يدافع؛ والأسلحة المتَّفَق عليها هي الكتاب المقدَّس العبري والتلمود والمدراشيم. وكانت استراتيجية پابلو جديدةً وخطيرة. فالجدالات المسيحية السابقة ضدّ اليهود كانت تُحاجج من النصوص العبرية وحدها؛ أمّا پابلو فقد حاجَجَ من التلمود والمدراش، زاعماً أنّ الحاخامات أنفسهم، في نصوصهم المقدَّسة المعتمَدة، شَهدوا بأنّ المسيح قد جاء، وأنّه قد تألَّم، وأنّه إلهيّ. وكانت التَبعة مدمِّرة: فاليهود الذين يَرفضون قَبول المسيحية ليسوا مخطئين فحسب بل غيرَ صادقين، يُنكرون شهادة معلِّميهم.

ردَّ ناحمانيدس بمنهجٍ جريءٍ بقدرِ ما كان منهجُ پابلو ذكيّاً. فميَّز تمييزاً حادّاً بين الهلاخا — اللبّ القانونيّ المُلزِم للأدب الحاخامي — وبين الهَجَّاداه، أي المادّة الوعظيّة والقصصيّة التي وَردت فيها معظم المقاطع المُستشهَد بها. الهَجَّادوت، قال، مواعظ؛ للمرء أن يَقبلها أو لا يَقبلها. وفكَّك أدلّةً مفردةً بقراءتها في سياقها وبالاستشهاد بنظائر تُشير إلى وجهاتٍ أخرى. ومارس — وهذا أمرٌ غير اعتياديٍّ ليهوديٍّ يتكلَّم في بلاطٍ ملكيٍّ مسيحي — تأكيداتٍ لاهوتيّةً جريئةً من عنده: أنّ المسيح المسيحي الذي ماتَ على يد روما لم يُحقّق في الواقع ما وَعد به إشعياء بأنّ المسيح المنتظَر سيُحقّقه. فالذئب لم يَرْبِض مع الحَمَل، والسيوف لم تَصِر بعدُ سككاً للمحاريث، والعالَم لم يُفتدَ بعد.

تَصرَّف الملك خايمي، بحسب كلّ الروايات بما فيها رواية ناحمانيدس نفسه، بإنصاف. وفي ختام الإجراءات منحه عطيةً قَدرها ثلاثمئة سوليدوس وصَرفه بكلمةٍ لم يَدَع رهبان الدومنيكان في غضبهم تَمرّ: أنّه لم يَسمع قطُّ قضيّةً خاطئةً دُوفع عنها بهذا الإتقان. وبعد أسابيع كتَب ناحمانيدس ״كتاب المناظرة״ — روايتَه العبريّة للمناظرة — وأرسل نسخةً منه إلى أسقف جيرونا الذي طَلبها. وحين رآه الدومنيكان اتَّهموه بالكفر، فأمر الملكُ، ولم يَعد قادراً على حمايته، بنفيه. فأَبحر إلى أرض إسرائيل عام 1267.

والعالَم كلُّه يَتجدَّد بالمسيح — والعالَم لا يزال على عادته.كتاب المناظرة لناحمانيدس (تلخيصٌ لحجَّةٍ مركزية)

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

بحوزتنا روايتان معاصرتان للمناظرة: سرديّةٌ عبريةٌ ألَّفها ناحمانيدس نفسه في غضون أشهرٍ من الحدث، وبروتوكولٌ لاتيني أَعدَّه الدومنيكان للملك ولسلطات الكنيسة. وهما يَختلفان، كما هو متوقَّع، حول مَن انتصر. ويَختلفان بصورةٍ أكثر إثارةً للاهتمام حول ما قيل. والطبعةُ العلميّة المعتمَدة التي تُثبت النصَّين والعلاقةَ بينهما هي كتاب حاييم ماكوبي ״اليهودية في قَفص الاتّهام: المناظرات اليهودية المسيحية في العصور الوسطى״ (لندن 1982)، الذي يطبع الترجمتَين الإنكليزيّتَين جنباً إلى جنب. وأشمل دراسةٍ حديثة هي كتاب نينا كاپوتو ״ناحمانيدس في كَتَلونيا الوسيطة: تاريخ، جماعة، مسيحانيّة״ (2007).

كانت مناظرة برشلونة الثانيةَ من بين المناظرات اليهودية المسيحية الكبرى الثلاث في العصور الوسطى، بعد مناظرة باريس عام 1240 (التي انتهت بحرق التلمود). تَلتها مناظرة تورتوسا في 1413–1414، وهي الأطول والأكثر منهجيّةً من بين الثلاث. ويتتبَّع كتاب روبرت تشازان ״خناجر الإيمان: التبشير المسيحي والاستجابة اليهودية في القرن الثالث عشر״ (1989) كيف طوَّر رايموندو مارتيني الاستراتيجيةَ الدومنيكانيةَ التي ابتكرها پابلو كريستياني — استخدام الأدب الحاخامي لمهاجمة العقيدة اليهودية — في كتابه ״خنجر الإيمان״ (نحو 1280) إلى جهازٍ تبشيريٍّ منهجيٍّ شَكَّل الجدل اليهودي المسيحي للقرون الثلاثة التالية.

حاجَّ كتاب جيرمي كوهين ״الرهبان واليهود״ (1982) بأنّ صعود رهبنتَي المُلتمِسين (الفرنسيسكان والدومنيكان) سَجَّل تحوّلاً جذرياً في موقف المسيحية الوسيطة من اليهودية. فقد رأى الفكرُ المسيحي السابق، استناداً إلى أوغسطين، في اليهود شهوداً أحياءَ على حقيقة الكتاب المقدَّس، فيُتسامَح معهم بهذه الصفة. أمّا الدومنيكان، المسلَّحون بمعرفةٍ متناميةٍ بالعبرية والأدب الحاخامي، فقد بَدأوا يعاملون اليهوديَّ بصورةٍ متزايدة بوصفه منحرفاً عن يهوديّةٍ يخونها — كما يُفترَض — هو نفسُه. وحجّةُ پابلو كريستياني — ״تلمودكم نفسُه يَشهد״ — هي نقطة الانعطاف.

إرثُ ناحمانيدس الأدبي من الحقبة التالية لبرشلونة هائل. ففسرُه على التوراة، الذي أَنجزه في عكّا والقدس في سنواته الأخيرة، يَنسج البِشاطَ والمدراشَ والقبّالا في قراءةٍ واحدةٍ متّصلة؛ وأصبح أحدَ تفاسير التوراة الأربعة الوسيطة التي لا غنى عنها (إلى جانب راشي وابن عزرا وسفورنو). أمّا رسالته إلى ابنه (״رسالة الرَمب״ن״)، التي تُوصي بالتواضع في خدمة التوراة، فهي من أكثر الرسائل الخاصّة استنساخاً في التاريخ اليهودي؛ ولا تزال تُتلى في بعض الجماعات أسبوعيّاً.

سَمعنا كثيراً عن الرجل بونَسْتروك دا پورتا أنّه حكيمٌ عالم؛ لكنّنا لم نكن نَظنّ أنّه يُمكن أن يقول ما قاله أمامنا.الملك خايمي الأوّل ملك أراغون، في ختام المناظرة (كتاب المناظرة، البند ١١٧)