بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
الهولوكوست
قصة

محاكمة أيخمان

أبريل 1961 — مايو 1962

اختطف عملاء الموساد مهندسَ ״الحلّ النهائي״ من الأرجنتين؛ منحت محاكمته في القدس الناجين من الشُّوآه منبراً عالميّاً.

الرواية الكتابية

أدولف أيخمان، الضابط برتبة أوبر-شتورمبانفوهرر في الأس أس، الذي ترأّس القسم IV-B-4 في المكتب الرئيسي لأمن الرايخ وأشرف على لوجستيّات عمليات التهجير إلى أوشفيتس وتريبلينكا وسوبيبور وبلجيتس، فرّ من الحجز الأمريكي عام 1946 وظهر في الأرجنتين عام 1950 باسم ريكاردو كليمنت. عمل في مصنع مرسيدس-بنز في ضاحية بوينس آيرس، وعاش في بيت صغير غير مدهون في شارع غاريبالدي بحيّ سان فرناندو. عشر سنوات عاش الرجل الذي يحمل توقيعه أوامر تهجير مئات الآلاف من اليهود، عاش عاملَ مصنعٍ هادئاً.

في مساء 11 مايو 1960، اعتقله فريقٌ من ثمانية عناصر من الموساد بقيادة رافي إيتان وهو ينزل من الحافلة رقم 203 في طريق عودته إلى البيت. احتُجز تسعة أيّام في بيت آمن في سان فرناندو، خُدِّر، أُلبس زيّ طاقم طيران شركة العال، ونُقل من الأرجنتين على متن طائرة بريتانيا مستأجرة. في 23 مايو، وقف رئيس الوزراء دافيد بن غوريون في الكنيست وأعلن، في جملة واحدة، أنّ أدولف أيخمان موجود في إسرائيل وسيُحاكَم بموجب قانون النازيّين والمتعاونين معهم (العقاب) لعام 1950.

افتُتحت المحاكمة في 11 أبريل 1961 في مركز ״بيت هَعام״ الثقافي في القدس، الذي جُهِّز لهذا الغرض بمقصورة زجاجية للمتّهم، وترجمة فورية بأربع لغات، و750 مقعداً. ترأّس الهيئة القاضي موشيه لاندَو، الفقيه المولود في برلين، الذي أصرّ على إجراء المحاكمة بإنصاف إجرائي صارم — إلى درجة أزعجت بعض الادّعاء وبعض الشهود من الناجين، لكنّه رأى فيها مصدر شرعية المحاكمة الوحيد. أمّا الادّعاء العام، النائب العامّ غدعون هاوزنر، فاستهلّ بكلمات نُقشت منذئذٍ في الذاكرة الإسرائيلية: حين يقف أمام المحكمة، فإنّه لا يقف وحده — يقف معه ستّة ملايين متّهِم، لكنّهم لا يستطيعون أن يرفعوا أصابعهم، فقد بُعثر رمادهم على تلال أوشفيتس وفي أنهار بولندا.

على مدى أربعة عشر أسبوعاً، أدلى 112 شاهداً بشهاداتهم، معظمهم من الناجين. لأوّل مرّة جرى سرد الشُّوآه بالتفصيل، تحت بروتوكول قضائي، بأصوات الناجين أنفسهم، مع بثّ ترجمة فورية حول العالم. انهار ك. تسيتنيك (يحيئيل دي-نور) على منصّة الشهادة. وتحدّث آبا كوفنير، شاعر بارتيزانات فيلنا، ساعاتٍ عن المقاومة. صدر الحكم بإدانة أيخمان في 15 ديسمبر 1961، وحُكم عليه بالإعدام، ونُفّذ الحكم بشنقه بُعَيْد منتصف ليل 1 يونيو 1962 في سجن الرملة. نُثر رماده في البحر خارج المياه الإقليمية الإسرائيلية — وهو حكم الإعدام الوحيد الذي نفّذته دولة إسرائيل في تاريخها.

حين أقف أمامكم، يا قُضاة إسرائيل، فأنا لا أقف وحدي. يقف معي هنا ستّة ملايين متّهِم. لكنّهم لا يستطيعون أن ينهضوا على أقدامهم ويوجّهوا أصبعاً متّهمة.غدعون هاوزنر، مرافعة الافتتاح، 17 أبريل 1961

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

تحتلّ محاكمة أيخمان مكانة خاصّة في تاريخ القانون الجنائي في القرن العشرين. أسّست المحكمة الإسرائيلية اختصاصها على ثلاث ركائز: الاختصاص العالميّ على الجرائم ضدّ الإنسانية (مبدأٌ كان لا يزال في طور التشكّل في 1961)، ومبدأ الحماية (الجرائم ضدّ الشعب اليهودي)، ومبدأ الشخصية السلبية — وعلى الرغم من أنّ دولة إسرائيل لم تكن قائمة وقت ارتكاب الجرائم، رأت المحكمة أنّ إسرائيل المنبر الشرعيّ للجرائم المرتكَبة ضدّ الأمّة اليهودية بوصفها أمّة. نوقش الطرح آنذاك ولا يزال يُناقَش في الأدبيات القانونية؛ راجع تحديداً غاري باس، ״أوقف يد الانتقام״ (2000)، ولورنس دوغلاس، ״ذاكرة الحكم״ (2001).

كان الأثر التاريخوغرافي بالغاً. غطّت حنّا أرندت المحاكمة لمجلّة ״ذا نيو يوركر״؛ وقدّم كتابها الناتج، ״أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشرّ״ (1963)، عبارةً انفصلت منذئذٍ عن القضيّة ودخلت قاموس الفلسفة العامّ. صورة أيخمان في رواية أرندت بوصفه موظّفاً بلا تفكير — لا شيطانيّاً ولا ذكيّاً بشكل خاصّ، رجلاً يكمن شرّه في رفضه للتفكير — تحدّت فيها بِتّينا شتانغنيت بكتابها ״أيخمان قبل القدس״ (الألمانية 2011، الإنجليزية 2014)، المستند إلى ما يُعرف بـ״أشرطة ساسِن״، تسجيلات محادثات أيخمان مع الصحفيّ الهولنديّ السابق في الأس أس فيلِم ساسن في بوينس آيرس عام 1957، والتي تُظهر أيخمان معادياً للساميّة ملتزماً وذا بنية أيديولوجية واضحة. وقد مال التوازن التاريخوغرافي بشكل حاسم نحو قراءة شتانغنيت.

كما شكّلت المحاكمة تحوّلاً في الذاكرة الإسرائيلية للشُّوآه. وثّقت المؤرّخة عيديت زرتال (״الشُّوآه والقومية الإسرائيلية״، 2005) وعالمة الاجتماع حنّا يبلونكا (״دولة إسرائيل ضدّ أدولف أيخمان״، 2001) كيف كسرت شهادات الناجين العلنية — التي بثّتها إذاعة ״قول إسرائيل״ ووحدة التصوير التابعة للمكتب 06 وأُرسلت لقاءاتها إلى الشبكات في الخارج — الصمتَ الذي أحاط بتجربة الناجين في إسرائيل خلال خمسينيّات القرن العشرين.

على الصعيد الدولي، أرست المحاكمة سوابق إجرائية وإثباتية استُند إليها لاحقاً في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (1993) والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا (1994) — لا سيّما فيما يخصّ استخدام شهادات الناجين، ومعيار الترجمة الفورية، وبثّ الإجراءات، ومعاملة المتّهمين رهن الاحتجاز. يقدّم كتاب ديبورا ليبشتات ״محاكمة أيخمان״ (2011)، الصادر ضمن سلسلة ״حيوات يهودية״ عن مطبعة جامعة ييل، أيسر التوليفات الحديثة للأبحاث القانونية والتاريخوغرافية.

كانت المعضلة مع أيخمان بالضبط أنّ كثيرين كانوا مثله، وأنّ هؤلاء الكثيرين لم يكونوا منحرفين ولا ساديّين، بل كانوا، ولا يزالون، طبيعيّين بصورةٍ مفزعة.حنّا أرندت، ״أيخمان في القدس״ (1963)