جدعون والثلاث مئة
يُقلِّص جدعون جيشه باختبار الماء من 32,000 إلى ثلاث مئة، فيهزم المديانيين بالمشاعل والأبواق.
الرواية الكتابية
فعل بنو إسرائيل الشرّ في عينَي الربّ، فصعد عليهم المديانيّون سبع سنين كالجراد، وجِمالهم لا تُعَدّ، ولم يُبقوا لهم قوتاً في الأرض. هرب الشعب إلى المغاور وشقوق الجبال. ولمّا صرخوا، جاء ملاك الربّ وجلس تحت البطمة في عُفرة، وجدعون بن يوآش من عشيرة أبيعَزَر يخبط حنطةً في معصرة ليُخفيها عن الناهبين. دعاه الملاك جبّار البأس، فأجاب أنّ عشيرته أضعف في منسّى، وأنّه أصغر بيت أبيه.
في تلك الليلة هدم جدعون مذبح البعل لأبيه، وقطع السارية التي بجانبه، وبنى مذبحاً للربّ على الصخرة. طالب أهل المدينة بقتله، فأجابهم يوآش: إن كان البعل إلهاً، فليُحاكم لنفسه. ومن ذلك اليوم دُعي جدعون يَرُبَّعَل. ولبست روحُ الربّ جدعون، فضرب بالبوق، فاجتمع رجال منسّى وآشير وزبولون ونفتالي.
وضع جزّة صوف على البَيدر: ندى على الصوف وحده والأرض جافّة؛ ثمّ ندى على الأرض والصوف يابس. أجابه الربّ في الإثنتين. لكنّ اثنين وثلاثين ألفاً كثيرون — لئلّا يفتخر إسرائيل قائلاً: يدي خلّصتني. مَن خاف فليرجع: فعاد اثنان وعشرون ألفاً. ولا يزال الكثير. أنزلهم إلى الماء؛ فالذين لَطعوا بألسنتهم كالكلب، ثلاث مئة، اختيروا، وأُرسل الباقون.
في الليل، بثلاث مئة بوق وثلاث مئة جرّة فارغة وثلاث مئة مشعل في داخلها، أحاط رجال جدعون بمعسكر مديان عند عين حَرود. عند إشارة واحدة كسروا الجِرار، ونفخوا في الأبواق، وصاحوا: سيف للربّ ولجدعون. فاضطرب المعسكر في الظلام، وضرب كلّ امرئ سيف رفيقه، وفرّ الجمع إلى الأردن. تبعهم إسرائيل إلى قَرقور، وأُسِر زَبَح وصَلمُنّاع ملكا مديان. رفض جدعون الملك: الربّ يَملك عليكم. لكنّه صنع أفوداً من ذهب الغنيمة، فزنى به إسرائيل، وكان فخّاً له ولبيته.
إنّ الشعب الذي معك كثير عليّ لأدفع المديانيّين إلى أيديهم، لئلّا يفتخر عليّ إسرائيل قائلاً: يدي خلّصتني.سفر القُضاة ٧:٢
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تدور قصّة جدعون في عصر الحديد الأوّل المبكّر (القرنان الثاني عشر والحادي عشر ق.م)، وهي حقبة مَسحت فيها الجبال المركزية وسهل يزرعيل بدقّة. تنسجم غارات مديان مع نموذج الاختراق البدوي الموسمي من شرق الأردن وشمال غرب الجزيرة العربية إلى الهامش الزراعي — نمط يوازي لاحقاً نصوص ماري وسجلّات الحدود المصرية في عهد المملكة الحديثة التي تذكر شاسو يَهو. أمّا عُفرة الأبيعزرية فلم تُحدَّد أثرياً بثقة.
أكثر المحاور الأثرية إثارة هو الجمل. يأتي المديانيّون الكتابيّون بـجِمالهم لا تُعَدّ — وردّ الباحثون ذلك عقوداً بوصفه مفارقة زمنية، إذ كان الدرومدر يُعتقد أنّه استُؤنس للقوافل في الألفية الأولى فقط. لكنّ عمل ليدار سبير-حن وإيريز بن-يوسف (تل أبيب 2013) في مواقع صهر النحاس بتمناع دفع أقدم دليل موثّق على درومدريات مستأنَسة في جنوب المشرق إلى أواخر القرن العاشر ق.م.
يُقدّم الفخار الموسوم مديانيّاً — أو قُريّة — وجهاً ماديّاً للمديانيّين الكتابيّين: فخّار ثنائي اللون بزخارف هندسية وتشخيصية، صُنع في قُريّة شمال غرب الجزيرة وصُدِّر إلى الحجاز والنقب وشرق الأردن في القرنين الثالث عشر والثاني عشر ق.م. كشفت حفريّات بِنّو روتنبرغ في تمناع خلال السبعينيّات هذا الفخار في معبد حتحور مصري أُعيد استخدامه خيمةً مديانية، وفيه حيّة نحاسية — صدى أثري لتقليد نَحُشتان.
البنية الأدبية للقصّة — رؤيا الدعوة، اختبار الجزّة، تقليص الجيش بمراحل، الغارة الليلية بالمشاعل والأبواق — تستعمل صِيَغاً موجودة أيضاً في نصوص الحرب المقدّسة الرافديّة وعرافة الحثّيّين الطقسية. حاجج باروخ هالبرن (The First Historians, 1988) بأنّ القضاة ٦-٨ تحفظ ذكرى أصيلة لحرب قبلية صغيرة ضدّ غُزاة جِمال، صاغها محرّرو السفر الاشتراعيّون إطاراً لاهوتياً.
أقدم دليل موثّق على استعمال الجِمال المستأنَسة في جنوب المشرق يأتي من مواقع صهر النحاس في وادي عربة في أواخر القرن العاشر وأوائل التاسع ق.م.سبير-حن وبن-يوسف، Tel Aviv 40 (2013)