هِلِّيل وشَمّاي
مدرستان فرّيسيّتان تُشكّلان الشريعة لأجيال: هِلِّيل المُلَيِّن وشَمّاي المُشَدِّد — وتُحفَظ مناظراتهما في المشناة.
الرواية الكتابية
في أيّام هيرودس الملك، حين كان الهيكل الثاني لا يزال قائماً والكهنة يصعدون عند المساء ليُقدّموا حَمَل الذبيحة الدائمة، صعد من بابل رجلٌ فقيرٌ اسمه هِلِّيل، من نسل داود من جهة بناته. كان حطّاباً؛ وكان يُعطي نصف أجره اليوميّ لحارس باب بيت المدراش ليأذن له بالدخول وسماع كلام الحَكيمَين شَمعَيا وأبطَليون. وذات عشيّة سبتٍ في الشتاء لم يكن قد كسب شيئاً؛ ولم يأذن له الحارس؛ فصعد على السطح وتمدّد فوق الكوّة ليسمع من أعلى. فغطّاه الثلج ثلاث أذرع، وعند الفجر وجده الحكماء فأدخلوه ودفّأوه وقالوا: هذا الرجل جديرٌ بأن يُدنَّس له السبت.
ثمّ نهض هِلِّيل وصار رئيساً للسنهدرين؛ وإلى جانبه قام شَمّاي، شيخٌ من بيوت الكهنوت، رجلٌ صارمٌ شديد. واختلفا في كلّ مسألةٍ من مسائل الشريعة: من سَميخاه على ذبيحة العيد، إلى أكل البيضة التي تُولد في يوم العيد، إلى صياغة بركة الزواج — ومن مناظراتهما، ومن مناظرات تلاميذهما، تكوّن جسم الشريعة اليهودية.
وذات يومٍ جاء وثنيٌّ إلى شَمّاي وقال: أتهوّد على شرط أن تُعلّمني التوراة كلّها وأنا واقفٌ على رِجلٍ واحدة. فتناول شَمّاي عصا البنّاء التي بيده وطرده. فجاء الوثنيّ نفسه إلى هِلِّيل؛ فقال له هِلِّيل: ما تكرهه لنفسك لا تفعله بصاحبك. هذه هي التوراة كلّها. وما سواه شرحٌ؛ فاذهب وتعلّم.
وتجادل بيتا التلمذة بعد هِلِّيل وشَمّاي ثلاث سنواتٍ ونصفاً، يقول بيت هِلِّيل: الشرع كقولنا؛ ويقول بيت شَمّاي: الشرع كقولنا. فخرج صوتٌ من السماء (بَت قول) قائلاً: هؤلاء وأولئك كلامُ الله الحيّ، لكنّ الشرع كبيت هِلِّيل. ولماذا؟ لأنّهم كانوا لطفاء متواضعين، يَدرسون أقوالهم وأقوال خصومهم، بل يُقدّمون أقوال خصومهم على أقوالهم.
ما تكرهه لنفسك لا تفعله بصاحبك. هذه هي التوراة كلّها. وما سواه شرحٌ — فاذهب وتعلّم.التلمود البابليّ، شَبّات ٣١أ
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
كان هِلِّيل وشَمّاي قائدَين للحركة الفرّيسيّة في أواخر القرن الأوّل ق.م ومطلع القرن الأوّل الميلاديّ — آخرَ ما يُسمّى بـ׳الأزواج׳ الخمسة (الزوجوت) من المعلِّمين، كما تُحصيهم رسالة آفوت ١:١–١٨، التي تُشكّل سلسلة النقل الحاخاميّ من موسى عبر رجال المجمع الكبير إلى نشأة التَّنّائيم. ويُؤرَّخ هِلِّيل ׳البابليّ׳ (المعروف أيضاً بهِلِّيل الشيخ) تقليدياً إلى نحو ١١٠ ق.م – ١٠ م؛ وشَمّاي معاصرٌ له تقريباً. وقد سيطرت مدرستاهما، بيت هِلِّيل وبيت شَمّاي، على الجدل الهَلاخيّ من نحو ٣٠ ق.م حتى ثورة بار كوخبا.
ويَقبل البحثُ الحديث عموماً تاريخيّةَ هِلِّيل وشَمّاي، وإن كانت الحكاياتُ السِيَرِيّة — تساقطُ الثلج على سطح بيت المدراش، والوثنيّ الذي يُريد التهوّد ״على رِجلٍ واحدة״، وعصا شَمّاي القياسية — صنعةً أدبيّةً تنّائيّةً وأمورائيّةً، لا توثيقاً معاصراً. وقد فصلت أعمالُ يعقوب نوزنر الثلاثة المجلَّدات ׳التقاليد الحاخاميّة عن الفرّيسيّين قبل ٧٠׳ (١٩٧١) فصلاً منهجياً النواةَ التاريخيّة عن الحَشو الأسطوريّ. وأقدمُ تقليدٍ موثوقٍ عن هِلِّيل هو خلاف هِلِّيل-شَمّاي حول ׳السميخاه׳ (وضع اليد على ذبيحة العيد) المحفوظ في م. حَجِيجاه ٢:٢.
وتُشكّل المناظرات الهلاخيّة الثلاثمئة بين البيتَين الأساسَ المعماريّ للمشناة. وتُغطّي كلّ مجال: أحكام الزراعة (كِلأَيِم، تروموت)، وإجراءات الذبائح، والزواج والطلاق، وحفظ الأعياد، والطهارة الشعائريّة، والقانون المدنيّ. والنمطُ الغالب — شَمّاي مُشدِّد، هِلِّيل مُلَيِّن — حقيقيٌّ لا كلّيّ: ففي قرابة ستّةِ دزّينةٍ من الخلافات المُحصاة في إيدُيُّوت ٤–٥، يكون بيت شَمّاي هو الأقلّ تشديداً.
وقد سيطر بيت شَمّاي على القرار الهلاخيّ في الجيل السابق لخراب الهيكل الثاني سنة ٧٠ م — وهي حقيقةٌ تنعكس فيما يُعرف بـ׳المراسيم الثمانية عشر׳ التي صدرت في عُلِّيّة حنانيا بن حِزقيا بن جرون عشيّة الثورة الكبرى (م. شَبّات ١:٤)، وكلُّها في اتّجاه شَمّاي. وبعد سنة ٧٠ م تحوّلت أكاديميّةُ يَفنه تحت ربّان جَملِيئيل الثاني تحوّلاً حاسماً نحو بيت هِلِّيل؛ ويُبلوِر تقليدُ ׳البَت قول׳ هذا التحوّلَ إلى تصديقٍ إلهيٍّ على ما كان في الواقع إعادةَ اصطفافٍ تاريخيّةٍ وسياسيّة.
ما نُسمّيه ׳المشناة׳ هو، في جوهره الهلاخيّ، تقنينُ انتصار بيت هِلِّيل على بيت شَمّاي — انتصارٌ كاملٌ إلى حدّ أنّه احتاج إلى تفسيرٍ بأثرٍ رجعيٍّ بأنّه ׳بَت قول׳ من السماء.يعقوب نوزنر، التقاليد الحاخاميّة عن الفرّيسيّين قبل ٧٠ (١٩٧١)، بتصرّف