الهكسوس في مصر
حُكّامٌ غرب-ساميّون يَستولون على دلتا النيل، فيُؤسِّسون الأسرة الخامسة عشرة في أوارِس ويُدخلون العَجلة الحربية والقوسَ المُركَّب — الإطار الأرجَح ليوسف ويعقوب.
الرواية الكتابية
حين رُفع يوسف ليكون ثانياً على مصر، لم يُذكر اسمُ الفرعون الذي رفعه. لا يَقول الكتاب أيُّ أُسرةٍ كانت تَحكم، إنّما أنّ الملكَ ألبسه ثيابَ بُوصٍ وجَعَل سلسلةَ ذهبٍ على عُنقه وأركَبه في عَجلته الثانية. والعبارة لافتة: ففي العالَم الذي يَفترضه الكتاب في موضعٍ آخر، تَنتمي العَجلاتُ إلى فراعنة مصر وملوك كنعان السهلِ، ولكنّها لم تُعرَف في مصر مطلع الدولة الوسطى. فالعَجلةُ تقنيةٌ هكسوسيّة، أَدخلَها إلى مصر غُزاةٌ غرب-ساميّون.
وحين يَجعل سفر التكوين ٤٧ فرعونَ يَهَب عائلةَ يوسفَ أرضَ جاسان — شرقَ الدلتا — ويَستقبل إخوته بوصفهم 'رؤساء الماشية'، يكون الاستقبال مفهوماً إن كان الملكُ على العرش غرب-ساميّاً هو نفسُه. ربّما كان فرعونُ مصري الأصل سيرتاب بمهاجرين آسيويّين؛ أمّا ملكٌ هكسوسيّ في أوارِس فكان قريبَهم. ويوسفُ الذي يَرتفع من السجن إلى الوزارة قد يَقف في صفّ أطول من نخبة آسيوية فعلت في قرون الهكسوس بالضبط ذلك.
وحين يَفتتح سفر الخروج بالكلمات 'وقام على مصر ملكٌ جديد لم يَعرف يوسف'، لا يَحمل ذلك السطرُ ثقلَه التاريخيَّ الكامل إلّا في خلفية الهكسوس. كان طردُ الملوك الآسيويّين على يد أحموس الأوّل نحو ١٥٥٠ ق.م تحريراً وطنياً في الذاكرة المصرية؛ وافتتح الأسرةَ الثامنة عشرة والدولةَ الحديثة. ووجد الساميّون الآسيويون الذين ازدهروا في عهد الهكسوس أنفسَهم، شبهَ بين عشيّة وضحاها، مَنبوذي ترميمٍ وطنيّ انتقاميّ. وللإطار الكتابيّ لفرعونٍ مُستعبِد 'لم يَعرف يوسف' في هذه القراءة موازٍ تاريخيّ دقيق.
لا شيء من هذا يُثبت تاريخيّةَ الكتاب، ولا يُذكر الآباءُ في أيّ مصدر هكسوسيّ. لكنّ قرنَ الهكسوس يَمنح موادَّ يوسفَ والخروجِ إطاراً تفسيرياً لا تَملكه أيُّ حقبة أخرى من تاريخ مصر. فهو يَضع الساميّين الآسيويّين في الدلتا، في مواقع السلطة، في القرون التي يَصِفها الكتاب؛ ويُفسِّر العَجلاتِ والوزراءَ الأجانبَ المعيَّنين؛ ويَنتهي بطردٍ وطنيّ عنيف يَترجم بسلاسة إلى فرعونٍ لم يعرف يوسف.
وقام على مصر ملكٌ جديد لم يَعرف يوسف.سفر الخروج ١:٨
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
الهكسوسُ طبقةٌ حاكمة ناطقة بالغرب-ساميّة سَيطرت على مصر السفلى خلال الفترة الانتقالية الثانية (نحو ١٦٥٠-١٥٥٠ ق.م)، ويُمثِّلون الأسرةَ الخامسة عشرة عند مَنيتو. وكانت عاصمتهم في أوارِس بدلتا النيل الشرقية، التي عُرّفت منذ ١٩٦٦ بتلّ الضَبعة. وأرَست تنقيباتُ مانفريد بيتاك والمعهدِ الأثري النمساوي تتابعاً طبقياً متّصلاً من الاستيطان الآسيوي في الدولة الوسطى (نحو ١٩٠٠ ق.م)، إلى تثبيت حكم الهكسوس (نحو ١٧٠٠ ق.م)، إلى الفتح الطيبيّ على يد أحموس الأوّل (نحو ١٥٥٠ ق.م).
ثقافةُ أوارِس الماديّة غرب-ساميّةُ الأصلِ مصريّةُ التطوير لا لُبس. تُبنى البيوتُ على نمط الغرف الأربع المُوثَّق في أنحاء بلاد الشام في الزمن نفسه. وتَضمّ القبور دفناتِ حُمُر، وخناجرَ برونزيّة شاميّة مميّزة، وقواريرَ تلّ اليهودية (وعاءٌ صغير أسود إجاصيّ الشكل صُنع في شرق المتوسط). ومع ذلك تَبنّى الملوكُ أسماءَ عرشٍ مصرية، واستعملوا الهيروغليفية في كتاباتهم، وعَبَدوا إلهاً تَلفيقياً سِتْ-بَعل يَجمع إلهَ المصريّين للأجانب مع إلهِ العواصف الشاميّ.
أَدخل الهكسوسُ إلى مصر — أو روَّجوا داخل مصر — جملةً من الابتكارات كان أثرُها بعيدَ المدى على الحضارة المصرية عميقاً: العَجلةُ الخفيفةُ المجرورةُ بالخيل (بعجلاتٍ مشعّة تَحلّ محلّ العربات ذات الأقراص الصلبة)، والقوسُ المركّب المعكوس، وسيفُ الخوبيش المعكوف، والأنوالُ العمودية لإنتاج النسيج، والقيثارةُ والعود، ومحاصيلُ معيّنة، وأبقارُ الزِبو ذاتُ السنام. وكانت الروايةُ المصريةُ التقليدية أنّ هذه فُرضت بهيمنةٍ أجنبية؛ في حين شَدَّد البحثُ التنقيحيُّ منذ التسعينيّات على التجارة والهجرة المتّصلَتين قناةً للنقل لا الفتح.
ويُوثَّق طردُ الهكسوس في السيرة الذاتية لأحموس بن إيبانا، وهو بحّارٌ نُقشت سيرتُه على قبره في الكاب، وفي اللوحَتَين الكَرنكيتَين المحفوظتَين جزئياً للملك كاموس. ويُوصَف حصارُ أوارِس وفتحُها بأنّه حملةٌ شاقّة، تلَتها مطاردةُ ما تبقّى من الهكسوس إلى حصن شَرُحين الشاميّ، الذي سَقط بعد حصار ثلاث سنوات. ثم شَنَّ المنتصرون المصريّون غاراتٍ انتقاميّة على جنوب بلاد الشام — أوّلُ حضور عسكريّ مصريّ مستمرّ في كنعان، الذي سيتبلوَر بعد قرن إلى مقاطعة الإمبراطورية في الدولة الحديثة.
لم تَعُد حقبةُ الهكسوس تُفهَم بوصفها فاصلاً من السيطرة الأجنبية، بل بوصفها فصلاً في اتّصال شامي-مصريٍّ طويل المدى من الدولة القديمة إلى الفتح الفارسيّ.مانفريد بيتاك، أوارِس وبير-رمسيس (١٩٧٩، مع مراجعات لاحقة)