تلمود أورشليم
ابن العمّ الأقصر والأقلّ اقتباساً للتلمود البابلي، حُرِّر في طبريّة بينما كانت روما المسيحية تُطبِق.
الرواية الكتابية
على شواطئ بحيرة طبريّة، في المدينة التي بناها هيرودس أنتيباس وورثها منه الحاخامات، درس حكماء الجليل المشناه ورفضوا أن يندثروا. كان العالم الروماني فوقهم يصير مسيحياً؛ وكانت رئاسة بيت هلّيل تُجرَّد من صلاحيّاتها؛ وكان ريف الجليل يتآكل تحت ضرائب ثقيلة وكنُسٍ تحترق. ومع ذلك، في مدارس طبريّة وصفّورية وقيصرية، كانت مناقشات يوحانان وريش لاكيش، وأبّاهو ويونا، تُجمع في تفسيرٍ كبيرٍ على ستّة أقسام المشناه.
أسموا ما صنعوه ״تلموداً״ — تعليماً، تلاوةً، أخذاً وردّاً بين الأجيال. لم يكن كتاباً بالمعنى المتأخّر للكلمة. كان ذاكرةً: من قال ماذا، ضدّ من، في أيّة سنة، وكيف حُسم الأمر أخيراً، أو تُرك مفتوحاً أحياناً. أسماء الحاخامات جرت فيه كنهر: حنينا الصبّاغ، يوسي الحدّاد، يوحانان الذي كانت حاجباه ثقيلَين فيرفعهما بشوكة فضّية ليرى تلاميذه. عبر أصواتهم عاشت المشناه مرّةً ثانية.
لكنّ المناخ كان قاسياً. حظر الإمبراطور قسطنطيوس اعتناق اليهودية بعقوبة الإعدام؛ ومنع الأباطرة المسيحيّون من بعده اليهودَ من بناء كنُس جديدة، وتولّي مناصب عامّة، وامتلاك عبيد مسيحيّين. وفي 425 ألغت الدولة الرومانية رئاسة بيت هلّيل — مؤسّسة القيادة التي ربطت حاخامات الجليل بعضهم ببعض منذ أيّام يهودا الناسي. تضاءلت المدارس. تعجّلت أعمال التحرير. خُتم الأورشلمي في حالٍ شبيهٍ بنصف الإنجاز، مساطره غير متساوية، وأقسامٌ كاملة مفقودة.
خرج إلى العالم ابن عمٍّ صغير للتلمود البابلي العظيم — أوجز، وأكثر خشونة، وأقلّ صقلاً، ومسطرات بأكملها غائبة. لقرون لم يكن يُدرَس إلّا قليلاً. لكنّ صوته صوت أرض إسرائيل ذاتها، صوت الحاخامات الذين رأوا الإمبراطورية تتنصّر ورفضوا أن يصمتوا. أحكامه، الأشدّ غالباً من البابلي، نجت في عادات بعض الجاليات الجليلية والإيطالية وشمال الأفريقية. وعلماء العصر الحديث، إذ سمعوا فيه شهادةً أقلّ توسّطاً ليهودية فلسطين، تعلّموا أن يُقدِّروه من جديد.
إن قال لك إنسان: تعبتُ ولم أجد، فلا تُصدّق. لم أتعب ووجدت، فلا تُصدّق. تعبتُ ووجدت، فصدّق.تلمود أورشليم، مجيلاه 1:6
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تلمود أورشليم (Talmud Yerushalmi، أو التلمود الفلسطيني) هو الشرح الحاخامي للمشناه الذي أُنتج في مدارس فلسطين الرومانية، حُرِّر في طبريّة في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس الميلادي. وعلى خلاف التلمود البابلي، الذي اكتمل في ظلّ التسامح النسبي للدولة الساسانية الفارسية، خُتم الأورشلمي تحت ضغطٍ روماني مسيحي — ويحمل آثار تحريرٍ غير مكتمل. ومن أقسام المشناه الستّة، يُغطّي الأورشلمي أربعة (زراعيم، موعد، ناشيم، نزيقين) إضافةً إلى مسطرة نِدّاه؛ أمّا قسما قُدشيم وطُهروت فغير محفوظَين.
أعادت دراسات يعقوب سوسمان الدقيقة لتقاليد مخطوطات الأورشلمي (مجموعة في تلمود يروشلمي، أكاديمية اللغة العبرية 2001 وما تلاها) إثبات مخطوطة لايدن (1289 م، نسخها يحيئيل بن يكوتيئيل) الشاهدَ النصّي الكامل الوحيد، وبيّنت أنّ الطبعات المطبوعة جميعاً تقريباً تنحدر منها. وتحفظ مخطوطة الفاتيكان Ebr. 133 وشذرات جنيزة القاهرة قراءاتٍ مهمّة. وقد أعاد عمل سوسمان النقدي رسم الحقل: ينحلّ كثيرٌ من الخلافات المفترضة بين الأورشلمي والبابلي حين تُصحَّح قراءات الأورشلمي المعطوبة من المخطوطات.
أضاءت السياق التاريخي والاجتماعي للأورشلمي أعمال لي ليفين، الطبقة الحاخامية في فلسطين الرومانية في العصور المتأخّرة (1989)، وكاثرين هزر، البنية الاجتماعية للحركة الحاخامية في فلسطين الرومانية (1997)، وست شفارتس، الإمبريالية والمجتمع اليهودي 200 ق.م — 640 م (2001). تضع هذه الأعمال حاخامات الأورشلمي في ريفٍ جليلي يُجهَد متزايداً بالضرائب الرومانية، والضغط التبشيري المسيحي، والعجزات القانونية في القانون الثيودوسي (Codex Theodosianus 16.8 و16.9، حُرِّر سنة 438 م). يُلخّص بيتر شيفر تاريخ اليهود في العصور القديمة (الإنجليزية 1995) الحقبةَ.
لغة الأورشلمي آرامية جليلية (غربية)، تختلف عن آرامية البابلي الشرقية؛ ومواقفه الفقهية تتباين أحياناً تبايناً ملحوظاً. وفي خلافات الفقه في العصور الوسطى — لا سيّما في الكشروت والصلاة وحفظ السبت — قدّم موسى بن ميمون ثم يوسف كارو البابليَّ على غيره، لكنّ الأورشلمي حُفِظ على يد علماء إيطاليين وبروفنساليّين وشمال أفريقيّين (هاي غاؤون، إسحاق ألفاسي، رابّينو حنانئيل). وأعادت طبعةُ هاينريخ غوغنهايمر النقدية الحديثة (Walter de Gruyter، 24 مجلّداً، 2000-2015) ومشروع الترجمة المتواصل لجمعية الأدب التوراتي فتحَ الأورشلمي للدراسة الأوسع.
الأورشلمي وصيّةٌ غير مكتملة ليهوديّةٍ شاهدت أرضها تتنصّر — شاهدٌ على الثقافة الحاخامية الحيّة في الجليل في العصور القديمة المتأخّرة لا يضاهيه مصدرٌ آخر.كاثرين هزر (بتصرّف)، البنية الاجتماعية للحركة الحاخامية