القَرّاؤون: أتباع عَنان بن داود
فِرقةٌ بابليّة ترفض التوراة الشفهية وتتبع الكتاب وحده؛ ازدهرت من القاهرة إلى القرم، وفاقت الربّانيّين عدداً أحياناً.
الرواية الكتابية
في الأيّام التي بنى فيها الخلفاء العبّاسيّون مدينتهم المدوَّرة الجديدة بغداد، حين كان حاخامات سورة وپُمبَدِيتا يحكمون بيوت الدراسة ورأس الجالوت يجلس مع حاشيته في قصره على دجلة، نهض رجلٌ رفضهم. اسمه عَنان بن داود، من أسرةٍ يهودية قديمة فخورة — مرشَّحٌ، كما قيل، لرئاسة الجالوت ذاتها. لمّا انتقل المنصب إلى أخٍ أصغر، اعتزل عَنانُ الصراع وبدأ يُعلِّم يهوديّةً بلا تلمود. ״ابحثوا في الكتب جيّداً، ولا تعتمدوا على قولي״، كذا رُوي عنه أنّه قال لتلاميذه.
ما علّمه كان عودةً — هكذا قَدَّمه — إلى الكتاب وحده. مئات الأحكام التي استخرجها الحاخامات من المشناه والتلمود، والتقاويم التي حسبوها، والشعائر التي تلقّوها بالنقل الشفهي: هذه، قال عَنان، لا أساس لها في النصّ المكتوب. وإيقاد قناديل السبت، الذي يحفظه كلّ بيتٍ ربّاني، نارٌ محرَّمة عنده. وتفلّاه ومزوزاه قراءةٌ خاطئةٌ للمجاز. ولفظ ״التوراة الشفهية״ نفسه عنده اختراعٌ ربّاني.
انتشر أتباعه، الذين سُمّوا القرّائين — القارئين، أهل الكتاب — من بابل إلى فارس وفلسطين ومصر، ثم إلى القرم والقوقاز. أَقاموا مدارسهم؛ كتبوا تفاسير كتابية تَعمَق أحياناً عن الربّانية؛ صاموا أطول، صلّوا مختلفاً، حسبوا الهلال بالرؤية لا الحساب، ولم يدخلوا غرف نومهم بنعالهم. وثلاثة قرونٍ كانوا، في بضع مدنٍ يهودية — القدس في القرن الحادي عشر، القاهرة في الثاني عشر — يفوقون عددَ الربّانيّين، فعاشت الجاليتان في تماسٍّ متوتّر وأدبيٍّ أحياناً.
حاربهم كبار حاخامات العالم الربّاني. كتب سعديا غاؤون ردّاً على عَنان؛ وأفتى ابنُ ميمون بقبولهم إن عادوا، وإلّا معاملتهم بضبط. استمرّ الجدل قروناً، واستمرّ القرّاؤون يتقلّصون أكثر فأكثر. وعند العصر الحديث صارت جالياتُ القرّائين الكبرى في القرم وليتوانيا بضعةَ آلاف؛ وانتقل قرّاؤو مصر إلى إسرائيل بعد 1948 ويعيشون اليوم جاليةً معترفاً بها لكنّها صغيرة. لا يزالون يصلّون في كنُسٍ خاصّة بهم؛ ولا يزالون يقرأون الكتاب بلا حاخامات بينهم وبينه؛ ولا يزالون الشاهدَ الحيّ الوحيد لليهودية التي كادت تكون — يهودية الكتاب وحده.
ابحثوا في التوراة جيّداً ولا تتّكئوا على رأيي.عَنان بن داود (التقليد القرّائي)
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
القرّائية (بالعبرية قَرَائيم، ״قارؤون״ أو ״أهل الكتاب״) حركةٌ يهودية ترفض سلطة التلمود والتوراة الشفهية الحاخامية، وترى أنّ الكتاب المقدّس وحده مصدر الشريعة الدينية. تَنسبها التقاليد إلى عَنان بن داود في بغداد نحو 760 م، لكنّ الحركة تبلورت عبر القرنَين الثامن والتاسع من تلاقي تيّاراتٍ — منها بقايا فِرَقٍ من حقبة الهيكل الثاني، وحركاتٍ يهودية فارسية مضادّة للتلمود، وكتاب الفرائض البرنامجي لعَنان نفسه. مسحان معياريّان: دانييل ج. لاسكر، القرّائية: مدخل (ليفربول 2022)، ودليلٌ متعدّد المجلّدات اليهودية القرّائية: دليلٌ لتاريخها ومصادرها الأدبية (تحرير پولّياك، Brill 2003).
تعليم عَنان نفسه محفوظٌ في شذراتٍ فقط — أكثرها في اقتباسات خصومه الربّانيّين (ردّ سعديا غاؤون على عَنان) وفي كتاب الفرائض المُعاد بناؤه من شذرات جنيزة القاهرة بِأيدي ألبرت هَركَفي (سان بطرسبورغ 1903). يميّز البحث الحديث بين ״العنانية״ والقرّائية المتأخّرة: كان عَنان مُجدِّداً فقهياً مُتفرِّداً؛ والحركة القرّائية التي تحمل اسمه طوّرت كتابيّةً أصرَم منها، قَنَّنها رجالٌ من القرنَين التاسع والعاشر، منهم دانيال القومسي، وبنيامين النَّهاوندي، وكِبار قرّائي القدس يعقوب القِرقساني ويَفِت بن علي.
كان العصر الذهبي للقرّائية أواخر القرن العاشر والقرن الحادي عشر، متمركزاً في القدس، حيث أنتج ״نائحو صهيون״ — قرّاؤون زاهدون يَبكون الهيكل المهدوم — تفاسيرَ كتابية ذات دقّةٍ فقهيّةٍ-فيلولوجية لافتة. كتب يَفِت بن علي (ت نحو 1005) تفاسير بالعربية اليهودية على كلّ التناخ تستبق تقنياتٍ في التفسير الأندلسي الربّاني الوسيط. ودُمِّرت جالية القرّائين في القدس في الحملة الصليبية الأولى سنة 1099؛ ولجأ ناجوها إلى مصر، حيث استمرّت جالية قرّائي القاهرة إلى جانب الربّانيّين تحت الفاطميّين.
تحوي مجموعة فيركوفيتش (سان بطرسبورغ، المكتبة الوطنية الروسية)، التي جمعها العالم القرّائي القرمي من القرن التاسع عشر إبراهيم فيركوفيتش، أكبرَ مجموعة من المخطوطات القرّائية في العالم — وإن زوّر فيركوفيتش بعض المُدخَلات بشكلٍ سيّء السمعة لِسَنَد هويّةٍ عرقية مستقلّة لقرّائي القرم تُبعِدُهم عن يهود أوروبا (مناورةٌ أنقذت بِسُخْرةٍ معظمهم من المحرقة حين قَبِلَت السلطات النازية الحجّة العرقية). والجالية القرّائية الأكبر اليوم في إسرائيل — مجلس اليهودية القرّائية يَعُدّ نحو 30,000-50,000، أكثرهم من أصلٍ مصري — مع جاليات أصغر في الولايات المتّحدة وتركيا. أمّا قرّاؤو القرم وليتوانيا (قَرَايلَر) فقد كادوا يَختفون بعد القرن العشرين.
القرّائية ״ما كان يمكن أن يكون״ الكبرى في يهودية العصور الوسطى — الطريق التي لم تُسلَك حين انتصرت التوليفة الربّانية.بتصرّف عن دانييل ج. لاسكر، القرّائية: مدخل