تَهَوُّد الخزر
مملكةٌ تركيّة بين البحر الأسود وبحر قزوين تتهوّد؛ وتنجو مراسلاتها مع حسداي بن شَبروط في قرطبة.
الرواية الكتابية
وراءَ الأنهار الكبرى لسهول روسيا، بين بحر قزوين والبحر الأسود، في أرضٍ من العشب والفرسان والمحطّات التجارية، حكم في زمنٍ شعبٌ يُسمَّى الخزر. كانوا أتراكاً لساناً، شامانيّين تقليداً، وقد أقاموا على دونى الفولغا مملكةً خشيها الخلفاء وأباطرة بيزنطة معاً وتودّدوا إليها. في القرن الثامن، تروي الأخبار، صرف ملكُهم — البِك المسمّى بُلان — وجهه عن الآلهة القديمة واحتضن دين اليهود.
حدث، كما تروي الرسالة العبرية الوسطى المعروفة برسالة شيختر، أنّ مبشّرَين قَدِما إليه: قسّيس النصارى وإمامٌ من المسلمين، كلٌّ يُحاجج بصدق دينه. سأل بُلانُ كلّاً منهما: أيُّ الديانات تُؤثرون بعد دينكم؟ أقرّ النصراني بأنّ دين بني إسرائيل أقدم وأكرم. وأقرّ المسلم بمثل ذلك. فقال الملك: قد سمعتُ منكما، وعلى ألسنتكما تَعَلَّمتُ أنّ بني إسرائيل أهلُ العهد الأقدم. فإيّاهم سأتّبع.
عمّق خلفاؤه التهوُّد. أحضر عُبَدْيا، الذي يُقال إنّه حفيدُ حفيد بُلان، حاخاماتٍ من بغداد لتعليم التلمود، وبنى كنُساً عبر البلاد. أخذ البيت الملكي وأشراف المحاربين بشريعة موسى؛ وبقي العامّة مختلطين في عباداتهم كعادة شعوب السهوب. وقرنَين حرست مملكة يهودية — لا تكاد تُصدَّق — طرقَ التجارة بين النورس والخوارزميّين، بين بلاد فراء الدبّ وبلاد الفِضّة المسكوكة.
في القرن العاشر، بعيداً في قرطبة، سمع وزير الخليفة الأندلسي اليهودي حسداي بن شَبروط شائعاتٍ عن مملكةٍ يهودية في الشرق فلم يكد يصدّق أُذنيه. كتب رسالةً طويلة، دقيقة، عالِمة، وأرسلها بسلسلة تجّار. وعادت بعد سنين رسالةُ جوابٍ موقَّعة باسم يوسف، ملك الخزر: نعم، نحن من سمعتَ عنّا. ننتسب إلى توغرماه؛ وشريعتنا شريعة سيناء؛ ومدينتنا على الفولغا تُدعى أَتيل. ثم سقطت المملكة، اجتاحها أمير الروس سفياتوسلاف سنة 969، واختفى يهود الخزر في السهوب — في الأسطورة، في صفحات الشعر العبري الوسيط، في الخيال البعيد ليهوديّةٍ لم تكن، في النهاية، وحدها.
منذ يوم دخل آبائي تحت أجنحة الشخينة، أَخضَع أعداءنا أمامنا، وأطاح بممالكهم، وأَلقى بهم تحت أقدامنا.الملك يوسف إلى حسداي بن شَبروط (مراسلات الخزر، نحو 955)
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
كانت خاقانية الخزر (نحو 650 — 969 م) إمبراطورية تركيّة سهبية تَمَركَزَت على دونى الفولغا، بعواصمها بَلَنجَر وسَمَنْدَر، ثم أتيل (إِتيل) قرب دلتا النهر. سيطرت في أوجها على الممرّ الاستراتيجي بين بحر قزوين والبحر الأسود، تُجبي ضرائب التجارة بين الخلافة العبّاسية وبيزنطة وشمال السلاف والنورس. وتَهَوُّدُها — جزئياً، تدريجياً، متركّزاً في البيت الملكي وأشراف الجند — من أبرز فصول تاريخ الأديان في العصر الوسيط وأكثرها إثارةً للجدل.
المصادر الرئيسية: مراسلات الخزر بين حسداي بن شَبروط في قرطبة والملك يوسف الخزري (نحو 955 م؛ محفوظة في روايتَين، الطويلة والقصيرة، الأخيرةُ ربّما جوابُ يوسف الأصيل والأولى تحرير)؛ ورسالة شيختر المكتشفة في جنيزة القاهرة (Cambridge T-S Misc. 35.38) التي تُورد روايةَ التهوُّد؛ ومصادر جغرافية عربية منها المسعودي (مروج الذهب، 943) وابن فضلان (922). كتاب نورمان غولب وأوميليان بريتساك وثائقُ خزرية عبرية من القرن العاشر (كورنيل 1982) الدراسةُ النقدية المؤسِّسة للأدلّة العبرية.
كتاب كيفن آلان بروك يهود الخزر (الطبعة الثالثة، Rowman & Littlefield 2018) هو التوليفة الحديثة المعيارية. يرى بروك أنّ التهوّد كان جزئياً في البيت الملكي والنخبة في أواخر القرن الثامن أو أوائل التاسع، وعَمُق عبر التاسع والعاشر، فيما حافظ معظم الرعايا على ديانة تقليدية أو تَوفيقية. ويضع كتاب بيتر ب. غولدن دراسات خزرية (Akadémiai Kiadó 1980) ومساهماته في تاريخ كامبردج لآسيا الداخلية الخزرَ في السياق التركي والسهبي الأوسع. وتعزّز الأدلّة الأثرية — حصونٌ على الطراز المجرّي، ومقابر من الحقبة الخزرية بنقوش المنارة السباعية في تشيلاريفو (صربيا)، وشواهد قبور بنقوش عبرية في شمال القوقاز — وجود نخبة يهودية.
السؤال الجيني — هل ينحدر يهود الأشكناز المحدثون بنسبة معتبرة من الخزر — اختُبر بدقّة وانتُفي في معظمه. تُظهر دراسات الجينوم الكامل المتعدّدة (بِهار وآخرون 2010، 2013؛ كوستا وآخرون 2013؛ شيوي وآخرون 2017) أنّ يهود الأشكناز يتقاسمون أكبر القرابات الجينية مع سكّان الشام وجنوب أوروبا، لا مع سكّان شمال القوقاز أو منطقة الفولغا. كتاب أرثر كوستلر التعميمي القبيلة الثالثة عشرة (1976)، الذي يُحاجج بأصلٍ خزري للأشكناز، تَخطّته الأدلّةُ الجينية. تَهوّد الخزرُ؛ سقطت مملكتهم؛ ولم يترك ذوبانهم الجيني في الجاليات التركية والسلافية، وفي جزءٍ صغيرٍ في يهود القوقاز الإقليميين، أثراً كبيراً في الحمض النووي الأشكنازي المعاصر.
تَهوّدُ الخزر حقيقي، لكنّ نطاقه كان متواضعاً وأثره الجيني ضئيلاً؛ وهو من أعظم وقائع الاختيار الديني الجماعي في العصر الوسيط — وأكثرها أَسْطَرةً.بتصرّف عن كيفن آلان بروك، يهود الخزر