بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
ثورة بار كوخبا
قصة

حرب قِيتوس (ثورة الشتات)

١١٥–١١٧ م

تندلع ثوراتٌ يهوديّة في قورينة ومصر وبلاد الرافدين وقبرص في عهد تراجان — فتدمّر جاليات الشتات لقرون.

الرواية الكتابية

بعد خمسةٍ وأربعين عاماً من تَبدُّد دخان الهيكل عن القدس، سرت في الشتات اليهودي نارٌ من نوع آخر. زحف الإمبراطور تراجان شرقاً عام ١١٥ م في أعظم حملاته، دافعاً اللجيونات الرومانية عبر دجلة إلى بلاد ما بين النهرين الفرثية. ومع تقدّم اللجيونات أُفرغت الجبهة الخلفية — مصر، وقورينة في شمال أفريقيا، وقبرص، والجاليات اليهودية الكبرى في بلاد الرافدين خلف الخطوط. في ذلك الفراغ نهض الشتات.

حفظت السجلّات اليهودية الحرب تلميحاً فحسب؛ لم تترك سفراً مقدّساً ولا روايةً حاخاميّة مركزية. أمّا المؤرّخون اليونان والرومان فقد دوّنوا الثورة بلغة الفزع. يروي كاسيوس ديو أنّ يهود قورينة بقيادة رجل يُدعى أندرياس (أو لوكواس) أكلوا لحوم ضحاياهم وتمسّحوا بدمائهم ولبسوا جلودهم وقتلوا ٢٢٠٬٠٠٠ يوناني وروماني؛ وفي قبرص بقيادة شخصٍ يُدعى أرتيميون قتلوا ٢٤٠٬٠٠٠ ودكّوا مدينة سلاميس. الأرقام مبالَغٌ فيها قطعاً، لكن الغضب ليس مختلَقاً.

أسماها أوسابيوس بعد قرنين ״حرب الشتات״، ووضع بدايتها في السنة الثامنة عشرة لتراجان. تجمعها الذاكرة الحاخاميّة تحت اسمٍ أوجز — ״بولموس شل قِيتوس״، حرب قِيتوس — نسبةً إلى لوسيوس كويتوس، القائد الروماني البربريّ الأصل (״قيتوس״ بالعبريّة)، الذي أطلقه تراجان على يهود الرافدين بضراوة جوزي بها بولاية يهوذا نفسها.

حين مات تراجان في آب ١١٧ وخلفه هادريان، سحب الإمبراطور الجديد اللجيونات من وراء دجلة ومن الشتات المشتعل. سُرّح كويتوس وأُعدم بعد قليل. خَمَدت اللهيب. لكن قورينة، التي كانت يوماً مركزاً يهوديّاً ناطقاً باليونانية تموّل معابدها صالات الجمنازيون، أُفرغت. ولم تستعد يهوديّة الإسكندرية — جالية فيلون، ومترجمي السبعينية، وأكبر معبد رآه العالم القديم — ثقلها الأوّل قطّ.

وفي الأثناء كان يهود قورينة، وقد جعلوا واحداً يُدعى أندرياس على رأسهم، يُهلكون الرومان واليونان معاً... فهلك مئتان وعشرون ألفاً.كاسيوس ديو، التاريخ الروماني ٦٨:٣٢

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

يجمع كتاب مريم بوتشي بن زائيف ״يهوديّة الشتات في اضطراب، ١١٦/١١٧ م״ (٢٠٠٥) كلّ مصدرٍ ناجٍ عن الثورة — يونانيّاً ولاتينيّاً وعبريّاً وبرديات قبطيّة ونقوشاً — في جهازٍ نقديٍّ واحد. الصورة التي تنبثق ليست انتفاضةً منسَّقة بل سيلاً متلاحقاً: انفجارات متزامنة، ربّما مسيحانية، في أربعة مراكز شتاتٍ متباعدة، تستغلّ غياب لجيونات تراجان أثناء حملته الشرقيّة.

الأدلّة البرديّة من مصر وفيرة بشكلٍ غير معتاد. تتحدّث وثائق من الفيوم وأُكسيرَنخس عن ״الحرب״ و״كفر اليهود״، وتسجّل رسالة لافتة (P.Oxy. 705) عودة أبولونيوس الستراتيجوس من حملةٍ تأديبيّة. بعد ١١٧ م يصمت السجلّ التوثيقيّ اليهوديّ الغزير في مصر — عقود إيجار، إيصالات ضرائب — قرنَين تقريباً. وانمحت فعليّاً جالية يهود الإسكندرية، أكبر جالية في الشتات وأثراها.

في قورينة تؤيّد الآثار الشهادة الأدبيّة. كشفت حفريات معبد هيكاتي ومعبد أبولّو والقيصريون ومجمّع الحمّامات طبقات تدميرٍ عنيفة مؤرَّخة بالعملات بين ١١٥ و١١٧. ويذكر نقشٌ هادريانيّ من قورينة إعادة تشييد المنشآت العامّة ״التي قُلبت في الثورة اليهوديّة״ (CIG 5361). أمّا في قبرص فقد أصبحت سلاميس خراباً؛ وتزعم مصادر متأخّرة أنّ مرسوماً قائماً منع اليهود من الجزيرة حتى لو غرقت سفينتهم.

وأمّا مسرح بلاد الرافدين، حيث عمل لوسيوس كويتوس، فهو الأقلّ توثيقاً والأرجح أنّه الأكثر دموية. يلمح اقتضاب المصادر الحاخاميّة (مشناه سوطه ٩:١٤ تحرّم تيجان العرسان ״في حرب كويتوس״) والإشارة التلموديّة (سوطه ٤٩ب) إلى تحريم تعليم الابن اليونانيّة إلى الصدمة. مركز الثقل اليهوديّ، الذي كان قد بدأ ينزلق من يهوذا إلى الشتات، انزلق راجعاً: في عهد هادريان عاد المستقبل الديموغرافي والثقافيّ لليهودية إلى أرض إسرائيل — وهناك سيُمتحن، بعد عشرين عاماً، في ثورة بار كوخبا.

كانت ثورة الشتات بين ١١٦ و١١٧ م أعظم حدثٍ كارثيٍّ في تاريخ يهود البحر المتوسّط بين خراب الهيكل الثاني والمحرقة.مارتن غودمان، ״روما والقدس״ (٢٠٠٧)، بتصرّف