ليلة الزجاج المكسور (كريستالناخت)
في 48 ساعةً دَمَّرَت قوّاتُ الاقتحام النازية 267 كنيساً، وحَطَّمَت 7,000 محلٍّ يهودي، واعتقلت 30,000 رجل — عتبةُ الإبادة.
الرواية الكتابية
في ليلة التاسع من تشرين الثاني سنة خمسة آلاف وستّمئة وتسعٍ وتسعين، في كلّ مدينةٍ من ألمانيا والنمسا والسوديت التي ابتُلعت في تلك السنة، خرج أعضاءُ 'الإس آيه' بالقمصان البنّيّة و'الإس إس' وشبيبةُ هتلر إلى الشوارع بالفؤوس والمشاعل وقوائمَ في أيديهم. كانت القوائمُ تَحمل عناوين الكُنُس. وكانت القوائم تَحمل عناوين المحالّ اليهودية. وكانت القوائم تَحمل عناوين البيوت اليهودية. وعَلَت الصرخةُ من مدينةٍ إلى مدينة: حَطِّموا، أحرقوا، اضربوا — ففعلوا ذلك من الليل حتى صباح العاشر.
أُحرق مئتان وسبعةٌ وستّون كنيساً. وحُطِّمت سبعةُ آلاف محلٍّ يَملكها يهود، فانسكب زجاجُ واجهاتها على الأرصفة حتى صار الزجاجُ سَجّادةَ ألمانيا — وسَمَّى النظامُ، بسخريّة البيروقراطية القاتمة، الليلةَ على اسم البلّور المكسور: 'ليلة الكريستال'. قُتل واحدٌ وتسعون يهوديّاً على الفور، ومات عشراتٌ آخرون من الضرب والتعرُّض في الأيّام التالية. واعتُقل ثلاثون ألفَ رجلٍ يهودي وأُرسلوا إلى معسكرات داخاو وبوخنڤالد وزاكسنهاوزن. واحترقت الكُنُس طوال الليل، ووقف رجالُ إطفاء ألمانيا إلى جانبها بِخراطيمهم لا يَرشّون إلّا بيوت غير اليهود المجاورة.
ويهود ألمانيا، الذين خَدَموا في جيش القيصر في الحرب الكبرى ونالوا الصلبان الحديدية، الذين عَلَّموا في الجامعات وقادوا الأوركسترات وحازوا جوائز نوبل في الكيمياء والطبّ، الذين ظَنّوا أنفسَهم ألماناً من أتباع شريعة موسى — أَدركوا أخيراً، في صباح العاشر من تشرين الثاني، أنّه لا مكان لهم في بلاد غُوته وباخ. عادوا من حُطام محالّهم، وبدأوا، من استطاع، يَتقدّمون بطلبات تأشيرة. ولم يكن للعالم بعدُ ميناءٌ يُريدهم.
والنظامُ، بعد أن كَسَر الزجاج، غرَّم الضحايا ثَمَنَ الزجاج المكسور. مليارُ ريخسمارك، 'غرامةُ الكفّارة'، فُرضت على يهود الرايخ بمقابل الضرر اللاحق بأملاكهم؛ وصُودرت لخزانة الدولة كلُّ تعويضات التأمين التي تَلَقّوها من الشركات الألمانية. اكتمل الدمارُ الاقتصادي ليهود ألمانيا، الذي بدأ بقوانين نورِنبرغ 1935. بعد ليلة الكريستال، لم يَعُد السؤال هل يستطيع يهود ألمانيا البقاء — بل هل يستطيعون الفرار في الوقت. أكثرهم لم يستطع.
لا أَرغب أن أكون يهوديّاً في ألمانيا. الليلة لنا؛ وفي صباح الغد نُسوّي الحساب.يوزِف غوبلز، يومياتُه في 9 تشرين الثاني 1938
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
ليلةُ الكريستال — 'ليلةُ بوغروم الرايخ' في 9–10 تشرين الثاني 1938 — هي موضوع كتاب آلان شتاينڤايس Kristallnacht 1938 (بِلكناپ/هارڤارد 2009)، وكتاب مارتن غيلبرت Kristallnacht: Prelude to Destruction (هاربر كولينز 2006)، ومجموعة الوثائق في المجلد الأوّل من شاؤول فريدلندِر Nazi Germany and the Jews: The Years of Persecution, 1933–1939 (هاربر كولينز 1997). كانت الذريعة اغتيالَ هيرشِل غرينشپان البالغ 17 سنة للسكرتير الثالث إرنست فوم رات في سفارة ألمانيا بباريس في 7 تشرين الثاني 1938؛ وتُوُفّي فوم رات بعد ظهر 9 تشرين الثاني.
في حفلٍ مسائي في القاعة العتيقة بميونخ في 9 تشرين الثاني، ألقى غوبلز خطاباً تحريضيّاً أمام قادة 'الإس آيه' والحزب النازي. وأُرسلت أوامرُ برقية في الساعة 1:20 صباحاً من 10 تشرين الثاني من رئيس الإس إس راينهارد هايدريش إلى جميع مقارّ الشرطة والاستخبارات الأمنية، توعز إليها بتسهيل التدمير لا بقيادته رسميّاً. هاجمت وحداتُ الإس إس بزيٍّ مدني وقمصان الإس آيه البنّيّة وشبيبةُ هتلر ومدنيّون مُحَرَّضون الكُنُس والأعمال والبيوت اليهودية في كلّ ألمانيا والنمسا والسوديت المُلحَقة حديثاً. يُقَدِّر شتاينڤايس نحو 267 كنيساً دُمِّر أو تَضرَّر، و7,500 عمل تجاري نُهب، و91 يهوديّاً قُتلوا في البوغروم نفسه، ومئاتٍ إضافيّةً ماتوا في الحبس في داخاو وبوخنڤالد وزاكسنهاوزن، حيث أُرسل 30,000 رجلٍ يهودي.
قُنِّن الأثرُ الاقتصادي في ثلاثة قرارات في 12 تشرين الثاني 1938 أصدرها هرمان غورنغ مفوَّضاً لخطّة السنوات الأربع: 'مرسومُ غرامة الكفّارة' الذي فَرَض مليار ريخسمارك عقوبةً جماعية على يهود ألمانيا؛ و'مرسوم استعادة منظر الشارع' الذي ألزم أصحاب المحالّ اليهود بإصلاح الضرر على نفقتهم وصادر تعويضات التأمين؛ و'مرسوم إقصاء اليهود من الحياة الاقتصادية الألمانية' الذي أَتمَّ ما عُرف بـ'الأَريَنة'. وأَوردت 'فرانكفورتر تسايتونغ' في 13 تشرين الثاني 1938 أنّ ما يقدَّر بنحو 25 مليون ريخسمارك من الزجاج وحدَه قد كُسر، وكان أكثره مستورداً من بلجيكا فيتطلَّب استبدالُه عملةً صعبة.
كان ردُّ الفعل الدولي واسعاً لكنّه محدودُ الأثر العملي. استدعى الرئيس روزڤلت سفير الولايات المتّحدة في برلين احتجاجاً، لكنّه لم يَرفع حصصَ الهجرة؛ وكان مؤتمر إيڤيان في تموز 1938 قد أَظهر بالفعل عَزوف دول الغرب عن استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين اليهود. وَأَنقذ 'كيندِرترانسپورت'، الذي انطلق في أواخر تشرين الثاني 1938 في بريطانيا، 9,354 طفلاً أكثرهم من اليهود. وفي داخل ألمانيا، اعتَبر النظامُ ليلةَ الكريستال إشارةً إلى أنّ مزيداً من التطرُّف لن يَستفزّ تدخُّلاً أجنبيّاً جدّيّاً؛ فعَجَّلت بإعداد الهجرة الجماعية بيروقراطيّاً عبر مكتب آيخمان في ڤيينّا، ثم بالتخطيط الذي أفضى إلى مؤتمر ڤانزِه.
كانت ليلةُ الكريستال اللحظةَ التي عَبَر فيها النظامُ من الاضطهاد القانوني إلى عنف الشارع، فاكتشف أنّه لا الشعبُ الألماني ولا العالمَ سيوقفه.شاؤول فريدلندِر، ألمانيا النازية واليهود، المجلد الأوّل (1997)