مايمونيدس في القاهرة
أعظم مفكّرٍ يهوديٍّ في العصور الوسطى يَخدم طبيباً لوزير صلاح الدين، ويَكتب ״مشنيه توراه״ و״دليل الحائرين״، ويُجيب فتاوى من اليمن إلى بروڤانس.
الرواية الكتابية
بحلول منتصف ثمانينيّات القرن الثاني عشر، كان الحاخام موسى بن ميمون — مايمونيدس، الرَمب״م (1138–1204) — قد استقرّ في الفُسطاط، الحيّ القديم من القاهرة، بعد أن فرَّ من الأندلس الموحِّديّة في صباه، وتنقَّل في المغرب وأرض إسرائيل، وفَقد أخاه الأصغر الحبيب داود في البحر في رحلةٍ تجاريّة إلى الهند. وكان الآن طبيباً للقاضي الفاضل، وزير السلطان صلاح الدين الأيّوبي وكبير مستشاريه، ثم بُعَيدها لابن صلاح الدين، الأفضل. وكان قد أَكمل عام 1180 ״مشنيه توراه״ — أكثر مدوّنة قانونيّة منهجيّة طموحاً جُرِّبت في الفقه اليهودي، أربعةَ عشرَ سفراً بالعبرية الميشنائية الواضحة، تَهدف إلى أن تجعل أدبَ التلمود كلَّه في متناول قارئٍ كفؤٍ واحد.
وكان الآن يَكتب بالعربية اليهودية تحفتَه الفلسفية: ״دلالة الحائرين״. والمُرسَل إليه، المُسَمّى في المقدّمة، كان طالباً واحداً — الحاخام يوسف بن يهودا ابن شمعون في حلب آنذاك — لكنّ جمهوره الحقيقي كان اليهوديَّ المثقَّف الذي درس أرسطو في الترجمة العربية ولم يَعد قادراً على التوفيق بين ما تُعلّمه الفلسفة عن قِدَم المادّة، ولاشخصيّة الإله، وحدود المعرفة البشرية، وبين ما تَلقَّاه على مائدة آبائه عن إلهٍ يَتمشّى في الجنّة عند ريح النهار. وقد أُكمل ״دليل الحائرين״ نحو 1190، وتُرجم إلى العبرية في حياة مايمونيدس على يد صموئيل بن تيبون تحت إشرافه المباشر.
كان في الوقت ذاته يَخدم بوصفه ״ناجيد״ — الرئيس الرسميّ ليهود مصر، المعتَمد لدى البلاط الفاطميّ ثم الأيّوبي. وقد وَصلتنا من فتاويه أكثر من 460 نصّاً، وَردت من جماعاتٍ في حوض المتوسّط وما وراءه: من اليمن (״رسالة اليمن״ الشهيرة سنة 1172، التي تَحضّ يهود اليمن المضطهَدين على ألّا يَتخلَّوا عن إيمانهم في وجه التحوّل الديني القسري)، ومن بروڤانس (مجيباً على أسئلة علميّةٍ من حاخامات لوني)، ومن بغداد، ومن حلب، ومن مرسيليا في مسألة التنجيم. وقد أَرهق نفسَه إلى حدّ الإنهاك. وفي رسالةٍ إلى صموئيل بن تيبون يَصف فيها جدوله اليومي، يكتب أنّه يَركب كلّ صباحٍ إلى قصر السلطان، ويعود ليجد فناء بيته مزدحماً بالمرضى المنتظِرين، فيتناول وجبةً واحدةً بعد الظهر، ولا يتمكَّن إلّا ليلاً، حين تكاد قواه تَنفَد، من التفرّغ للدراسة والكتابة.
حين تُوفّي مايمونيدس في كسلڤ-طبت سنة 1204 (الموافق 13 ديسمبر / كانون الأوّل)، حُمل نعشُه إلى الجليل ودُفن في طبريا، حيث لا يزال قبره موضع زيارة. أَغلق يهود الفسطاط متاجرَهم؛ ورثاه يهود اليمن. وحفظَت جنيزة القاهرة — مخزنُ كنيس بن عزرا الذي كان يُصلّي فيه — مئاتِ الصفحات بخطّ يده: مسوّدات لـ״مشنيه توراه״، ومسوّدات فتاوى، ووصفاتٍ طبيّة، ورسائل عائلية. ومن هذه القُصاصات أَعاد العالَمُ الحديث بناء حياةٍ لا نظير لها في تاريخ يهود العصور الوسطى من حيث الاتّساع والإنتاجية وطموح التركيب.
من موسى إلى موسى لم يَقم مثلُ موسى.مَثلٌ يهوديّ قديم
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
كتاب هربرت أ. دافيدسون ״موسى بن ميمون: الرجل وأعماله״ (أكسفورد 2005) هو السيرةُ الفكريةُ الحديثة المعتمَدة، إذ يَستند بمنهجيّةٍ إلى أوتوغرافات الجنيزة لإعادة تأريخ مؤلَّفاته وإعادة بناء تفاصيل حياته اليومية. ويُثبت دافيدسون أنّ ״مشنيه توراه״ اكتمل بحلول 1180، وأنّ ״دليل الحائرين״ أُنجز على مراحل بين نحو 1185 و1191 تقريباً، وأنّ ״فصول موسى״ في الطبّ و״مقالة في الربو״ تَنتمي إلى عقده الأخير طبيباً ممارساً. ويَكشف أنّ بعض الأعمال المنسوبة تقليدياً إلى مايمونيدس (ولا سيّما ״مقالة إحياء الموتى״) هي له فعلاً، بينما أعمالٌ أخرى نُسبت إليه طويلاً ليست له.
تَتوزّع أوتوغرافات جنيزة القاهرة اليوم في ثلاث مجموعاتٍ رئيسة: مجموعة تيلر-شَختر في مكتبة جامعة كامبريدج، ومجموعة أنطونين في المكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبرغ، ومجموعة أدلر في المعهد اليهودي اللاهوتي في نيويورك. وتشمل مسوّداتٍ لـ״مشنيه توراه״ بتصحيحات مايمونيدس بخطّ يده، ومسوّدات فتاوى يَرِد على أحد وجهَيها السؤالُ وعلى الآخر إجابتُه بالعربية اليهودية، وأوتوغرافاً جزئياً لـ״شرح الميشنا״ (وهو عملُه في مطلع العشرينات من عمره)، اشترته مكتبة بودلي في أكسفورد من عائلةٍ يهوديّةٍ يمنيّة عام 1908. وأَعاد كتاب ش. د. غويتاين الضخم ״مجتمعٌ متوسّطي״ في خمسة مجلَّدات (1967–1988) بناء الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعائلية لعالَم مايمونيدس انطلاقاً من هذه الوثائق.
تُرجمت كتاباتُ مايمونيدس الطبّيّة، وكلّها تقريباً بالعربية، إلى اللاتينية في حياته وفي القرن الذي تلاه، ودَخلت مناهجَ مدارس الطبّ في ساليرنو ومونپلييه. وظلّت ״فصول موسى״ — 1500 ملاحظةٍ طبّيّةٍ مكثَّفة، مأخوذة أساساً من جالينوس مع شَرح مايمونيدس — مرجعاً معتمَداً حتى القرن السابع عشر. أمّا ״تدبير الصحّة״ الذي كَتبه للسلطان الأفضل المسترخي المُتْخَم، فيُوصي بالاعتدال والرياضة وتجنّب السوداء بعباراتٍ لن يَرفضها كلّيّاً طبيبٌ باطنيٌّ معاصر.
شَهد ״الجدل المايمونيدي״ في ثلاثينيّات القرن الثالث عشر، أي بعد عقدَين من وفاته، حاخاماتِ جنوب فرنسا يَفرضون حظراً على ״دليل الحائرين״ وعلى الأقسام الفلسفية من ״مشنيه توراه״؛ وردَّ حاخامات إسبانيا بحظرٍ على الحاظِرين. وفي عام 1242 أَحرق الدومنيكان نسخاً من ״الدليل״ في مونپلييه، يُقال إنّ ذلك كان بتحريضٍ من الحظر اليهودي الأصلي. وبعد سنتَين، وربّما لا يَخلو الأمر من صلة، أَحرقت السلطاتُ نفسُها التلمودَ في باريس. وهذه الحادثة موضوع كتاب دانيال جيرمي سيلڤِر ״النقد المايمونيدي والجدل المايمونيدي 1180–1240״ (1965). وهي أيضاً أعمق دليلٍ لدينا على أنّ مشروع مايمونيدس — التوفيق بين الدين الموحى والفلسفة البرهانية — مَسَّ عَصَباً حيّاً إلى درجة أنّ الجماعة اليهودية ذاتها لم تَستطع احتواء النزاع.
يُمثّل مايمونيدس الأكثر شموليةً في محاولات العصر الوسيط لبناء تركيبٍ متكامل بين الفقه اليهودي ودين الكتاب المقدَّس والفلسفة الأرسطية.هربرت أ. دافيدسون، موسى بن ميمون: الرجل وأعماله (2005)