موسى مندلسون والهَسكَلاه
ترجم 'موسى الثالث' أسفار التوراة الخمسة إلى الألمانية، وأسّس عصر التنوير اليهودي، وتساءل: هل تستلزم المساواة المدنية الذوبان؟
الرواية الكتابية
صعد من ديساو عالمٌ منحني الظهر، قد قوّسه طول الانكباب على الصفحة في صباه، ووجّه وجهه شطر برلين. كتب حارس بوّابة روزنتالر في دفتره أنّه في اليوم السادس من شهر إلول سنة خمسة آلاف وخمسمئة وثلاث، دخل المدينةَ ستّةُ ثيران، وسبعةُ خنازير، ويهوديٌّ واحد اسمه موسى. عبر اليهودي البوّابة وحده، وكتابٌ واحد تحت إبطه، ولم تكن مملكة بروسيا تعلم بعد أنّ موسى ثالثاً قد جاء.
تعلّم اللسان الألماني سرّاً، ثمّ اللاتينية، ثمّ اليونانية، ثمّ فلسفة وُلف ولايبنتس. جاء حكماء النصارى في برلين إلى بابه — لِسِنغ، ونيكولاي، وأكابر التنوير الألماني — فجلسوا عنده أنداداً. لم يَخلَع تَفِلِّينَه. لم يأكل على موائدهم ما حُرِّم عليه. حفظ السبتَ في مدينةٍ تعمل في السبت. وقال في قلبه: يستطيع اليهوديُّ أن يَسير في حكمة الأمم ويبقى يهوديّاً.
أخذ أسفار موسى الخمسة فنقلها إلى ألمانيةٍ صافية، حتى يَخرج أبناءُ إسرائيل المسجونون في إيديش الحارة المكسّرة إلى لغة المملكة دون أن يُضيّعوا توراتهم في الطريق. ووضع إلى جانب الألمانية شرحاً عبريّاً جديداً سمّاه البِئور، حتى يبقى طريق العودة مفتوحاً أيضاً. رعد عليه الحاخاماتُ التقليديّون في فرانكفورت وألتونا؛ ولعنوا ترجمته؛ وأحرقتها بعض الجماعات. لكنّ الشبيبة قرأته على ضوء الشمعة، وبدأت ريحٌ تتحرّك.
حين ضغط عليه الواعظُ النصراني لاڤاتر سنة خمسة آلاف وخمسمئة وتسعٍ وثلاثين أن يتنصَّر أو يُفنِّد المسيحية علناً، أجابَ بضبطٍ وكرامةٍ مجروحة، ثمّ كتب لاحقاً كتابه القدس، وقال فيه: للدولة أن تُكرِه على الفعل، ولا قوّة في الأرض تستطيع أن تُكرِه الضمير. الدِّين للقلب ولله وحدَه. هكذا تكلّم موسى مندلسون، ومن مائدته انحدر طريقُ المساواة المدنية وطريقُ الذوبان معاً، ولم يَكفّ العالم اليهودي عن الجدل أيُّهما هو الميراث.
اعتنق عاداتِ الأرض ودستورها التي تجد نفسك فيها، وكنْ في الوقت ذاته راسخاً في إيمان آبائك.موسى مندلسون، القدس (1783)
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
كان موسى مندلسون (1729–1786) الشخصيةَ المركزية لهَسكَلاه برلين، نظيرة 'الأوفكلِرونغ' الألمانية. يُقدِّم كتابُ ديڤيد سوركين Moses Mendelssohn and the Religious Enlightenment (كاليفورنيا 1996) وكتابُ آلان أركوش Moses Mendelssohn and the Enlightenment (ستوني بروك 1994) الروايتَين الأكاديميّتَين المهيمنتَين. وُلد في ديساو لكاتب توراة، وانتقل إلى برلين سنة 1743 تَبَعاً لمعلّمه الحاخام داڤيد فرنكل؛ وعمل أوّلاً معلّماً خاصّاً ثم محاسباً وشريكاً في شركة بِرنارد للحرير.
استند صِيتُه الفلسفي في 'جمهورية الرسائل' المسيحية إلى مقالات الجوائز وإلى Phaidon (1767)، وهي إعادة صياغة بالألمانية لمحاورة أفلاطون عن خلود النفس، صدرت في خمسَ عَشْرة طبعة وأكسبته لقبَ 'سقراط الألمان'. انتُخب لأكاديمية برلين سنة 1771، لكنّ فريدريك الأكبر اعترض على التعيين لأنّه يهودي. بَلوَرت الواقعة لدى مثقّفي أوروبا التناقُض بين كونيّة التنوير والإعاقات القانونية التي ما زالت تُفرض على اليهود.
قام البرنامج اليهودي لمندلسون على ثلاث ركائز. الأولى ترجمة التوراة إلى الألمانية (برلين 1780–1783)، طُبعت بأحرف عبرية مع شرحٍ عبري عُرف بالبِئور، حُرِّر بمشاركة شَلومو دوبنا ونفتالي هيرتس ڤِسلي وأهارون ياروسلاڤ. الثانية حملة المساواة المدنية، صاغها في تقديم طبعته الألمانية لِ'انتصار اليهود' لمنشى بن إسرائيل (1782)، وطوّرها زميله كريستيان ڤيلهلم ڤون دوم في 'تحسين أحوال اليهود مدنيّاً' (1781). الثالثة الرسالةُ الفلسفية القدس (1783)، التي حاجَجَتْ بأنّ اليهودية تشريعٌ موحى لا عقيدةٌ موحاة، فهي إذن منسجمةٌ مع الدِّين الطبيعي الكوني.
كان ردُّ التقليديّين عنيفاً. أدان الحاخام يحزقئيل لانداو من براغ البِئور سنة 1779؛ وأصدر الحاخام رفائيل ها-كوهين من ألتونا حِرَماً؛ وعدّت حلقةُ الغاءون من ڤيلنا الشبيبةَ القارئة بالألمانية خطراً على سلسلة التقليد. ومع ذلك، خلال جيلٍ واحد انتشرت الهَسكَلاه من برلين إلى كونيغسبرغ وبرسلاو وڤيينّا، ثم إلى غاليتسيا وروسيا، حيث اتّخذت أحدَّ صورها في مجلّتَي 'هَمِئَسِف' (1783) و'هَشَّحَر' (1868). يَتَتبَّع كتاب شموئيل فاينر The Jewish Enlightenment (پنسلڤانيا 2004) انتشارَها المؤسّسي.
كان مشروع مندلسون أن يُثبت أنّ يهوديّاً يستطيع أن يكون مواطناً ألمانيّاً تامّاً ويهوديّاً تامّاً في آنٍ — وفشلُ ذاك المشروع في إقناع أوروبا المسيحية هو الشأن غير المُنجَز للتاريخ اليهودي الحديث.شموئيل فاينر، The Jewish Enlightenment (2004)