قضيّة مورتارا
خَطَفت شرطة بولونيا الطفلَ إدغاردو مورتارا ابنَ السادسة من والديه اليهوديَّين لأنّ خادمةً عمَّدته سرّاً؛ هَزَّت القضيّةُ الرأيَ الليبرالي في وجه الدولة الپاپَويّة.
الرواية الكتابية
في مدينة بولونيا، في الدول الپاپَويّة، سنة خمسة آلاف وستّمئة وثماني عشرة، كان تاجرٌ يهوديٌّ اسمه سَلومونه مورتارا، وزوجة اسمها ماريانّا، وطفلٌ ابنُ ستّ سنين اسمه إدغاردو. وكانت في البيت خادمةٌ نصرانية، فتاةٌ أمّيّة من الريف اسمها أنّا موريزي، رشَّت في لحظة خوفٍ ماءً على إدغاردو الرضيع المريض، ولفظت صيغة المعمودية ظنّاً منها أنّها تُنقذ نفسه. ولم تخبر أحداً خمس سنوات. ثم أخبرت.
في ليلة الرابع والعشرين من حزيران، جاء عملاء التفتيش الپاپَويّ إلى البيت. قالوا للوالدَين إنّ ولدهما بمقتضى قانون الكنيسة قد صار نصرانيّاً، والولد النصرانيّ لا يجوز أن يَنشأ عند والدَين يهوديَّين. أخذوه على ضوء الشمعة من بين ذراعَي أمّه. أَركبوه عربةً. ساروا الليل كلَّه إلى روما. سقطت الأمّ على الأرض، وتبع الأبُ العربةَ راجلاً حتى انقطعت قواه. بكى الصبيّ على والدَيه طوال الطريق، ووصل بكاؤه أبواب روما وصعد إلى السماء.
أخذ پيوس التاسع، البابا الذي بدأ حُكمه ليبراليّاً ثم صار مطلَقاً، الصبيَّ في رعايته الشخصية. أدخله 'دار المعمَّدين'، البيت الذي كان اليهود يُنقَلون إليه ليتنصَّروا. عَمَّده ثانيةً رسميّاً، وسمّاه پيو على اسمه، ورَبّاه ابناً للكنيسة. سافر الوالدان، وَتظَلَّمَا، وبكَيا أمام القناصل والسفراء. عُرف اسم مورتارا من باريس إلى نيويورك. عاد السير موسى مونتفيوري، هذه المرّة إلى روما نفسها، فأبى البابا أن يُقابله.
وصرخ العالم اليهودي، وصرخ معه عالمٌ نصرانيّ كبير. تدخّل الإمبراطور نابليون الثالث. احتجّ الإمبراطور فرنتس يوزيف. أصدرت عشرون جمعية حاخامية في أوروبا وأمريكا بياناتٍ مشتركة. حَثَّت حكومةُ جيمس بيوكانان رئيس الولايات المتّحدة على التحرّك. لم يتنازل البابا. كَبُر إدغاردو في الڤاتيكان؛ صار قسّاً كاثوليكيّاً؛ مات سنة 1940 في ديرٍ ببلجيكا، رافضاً حتى النهاية أن يَتبرّأ من المعمودية التي فُرضت عليه. لم تُحرِّر القضيّةُ إدغاردو، لكنّها حطَّمت المكانة الأخلاقية للدول الپاپَويّة، وفي اثنتي عشرة سنةً ابتلعت 'الريسورجيمنتو' بولونيا وروما معاً، وانتهت السلطة الزمنية للباباوات.
لا نقدر. لن يَسمح الأب الأقدس أبداً بأن يَنشأ مَعمودٌ خارج الكنيسة.البابا پيوس التاسع لوفد عائلة مورتارا، 1858
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
أعاد ديڤيد كرتسر بناء قضيّة مورتارا تفصيلاً في كتابه The Kidnapping of Edgardo Mortara (كنوبف 1997)، اعتماداً على ملفّات محاكمة تفتيش بولونيا التي أُعيد اكتشافها سنة 1996، وأوراق عائلة مورتارا، وأوراق الأرشيف السرّي للڤاتيكان التي فتحها لاحقاً البابا پيوس الحادي عشر، وبرقيّات الجهازَين الدبلوماسيَّين السرديني والفرنسي. وُلد إدغاردو مورتارا في 27 آب 1851 ببولونيا، التي كانت آنذاك تحت الحكم الپاپَويّ المباشر. ادّعت الخادمة أنّا موريزي، البالغة آنذاك أربع عشرة سنة، سنةَ 1858، أنّها عمَّدته في مرضٍ شديد سنة 1852.
كان القانون الكنسي السائد في الدول الپاپَويّة يَعدّ كلَّ مَعمودٍ عضواً في الكنيسة الكاثوليكية، فلا يجوز أن يَنشأ في بيتٍ غير نصراني. وإذ كان مفتّش بولونيا الأبُ پيير غايتانو فيليتّي مقتنعاً بأنّ المسألة واضحةٌ كنسيّاً، أمر الشرطة بنقل الطفل. في ليلة 23–24 حزيران 1858 دخل العَريفُ جوزيپّه لوتشيدي بيتَ مورتارا وأخذ إدغاردو إلى دار المعمَّدين بروما، حيث وُضع تحت الحماية الشخصية للبابا پيوس التاسع (جوڤانّي ماريا ماستاي-فيرّيتّي).
كان التداعي الدبلوماسي شديداً غير مسبوق. استَخدم كاڤور والحكومة السردينية في تورين القضيّة لتجريد الحكم الزمني الپاپَويّ من شرعيّته، حتى نُقل عن كاڤور قوله إنّ قضيّة مورتارا 'تَنفعنا أكثر من معركةٍ منتصرة'. ضغط نابليون الثالث على الڤاتيكان عبر مبعوثيه؛ واحتجَّت حكومتا بريطانيا وپروسيا رسميّاً. عُقدت في الولايات المتّحدة اجتماعاتُ احتجاج علنية في ستٍّ وعشرين مدينة؛ غير أنّ الرئيس بيوكانان أبى التدخّل الرسمي مُتذرِّعاً بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الدينية الأجنبية. ودافعت 'تشيڤيلتا كاتوليكا'، لسانُ حال الڤاتيكان الرسمي، عن الفعل بمسوّغاتٍ كنسية.
بقي إدغاردو مورتارا في روما، وتعلّم في اللاتيران، ودخل سلك القانونيّين الأغسطينيّين النظاميّين سنة 1873، متَّخِذاً اسم پيوس الديني تَيَمُّناً بحاميه. صار واعظاً مرسَلاً بخمس لغات، ومات في 11 آذار 1940 في دير بوهاي قرب لييج عن ثمانٍ وثمانين سنة. أمّا مذكّراته 'خَطف إدغاردو مورتارا' — التي كتبها بالإسپانية في ثمانينيّات القرن التاسع عشر — فلم تُنشر إلّا سنة 2005 عن دار كاثوليكية إيطالية؛ وفيها يُقدِّم خَطْفه عنايةً إلهية. وقد وضع لاحقاً ماورو پيشِّه ومارينا كافييرو قضيّةَ مورتارا ضمن نمطٍ أوسع من المعمودية المُكرَهة الموثَّقة في غيتو روما من 1640 إلى 1860.
أكثر من أيّ حدثٍ مفرد، وَجَّهت قضيّةُ مورتارا الرأيَ العامّ الليبرالي الأوروبيّ توجيهاً نهائيّاً ضدّ السلطة الزمنية للپاپَويّة — وعجَّلَت توحيد إيطاليا اثنتي عشرة سنةً حاسمة.ديڤيد كرتسر، خَطف إدغاردو مورتارا (1997)