بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
العصر الحديث ودولة إسرائيل
قصة

السنهدرين الكبرى لنابليون

1806–1807 م

دعا نابليون مجلساً يهوديّاً من واحدٍ وسبعين عضواً في باريس ليُصادق على المساواة المدنية — صار اليهود مواطنين فرنسيّين بثمنٍ لاهوتي.

الرواية الكتابية

وكان في أيّام الإمبراطور الصغير الذي حطّم ممالك أوروبا وتوّج نفسَه بيده، أن وجّه وجهه إلى بني إسرائيل المتفرّقين في فرنسا وبلاد الرَّين وشمال إيطاليا، فقال: ليُدعَ اليهود. في سنة خمسة آلاف وخمسمئة وستّ وستّين، في مدينة باريس، تحت ثُريّات قاعةٍ مُستعارة من البيروقراطية الإمبراطورية، اجتمع واحدٌ وسبعون شيخاً، لم يُرَ مثلُهم منذ أيّام الهيكل الثاني — سنهدرين بُعثت من جديد بأمر كورسيكي.

وُضعَ بين أيديهم اثنا عشر سؤالاً، وكانت الأسئلة كحدّ الصوّان. هل يحلّ لليهودي أن يتزوّج نصرانية؟ أَيُعَدّ الفرنسيّون من اليوم إخوةً أم غرباء؟ أتُجيز شريعةُ اليهود الرِّبا؟ أتُجيز حِرَفَ المملكة وخدمتها العسكرية؟ أيُطيع اليهوديُّ قوانين فرنسا حين تخالف شريعة موسى؟ جلس الشيوخ. تجادلوا. عرفوا أنّ تحت مخمل السؤال فولاذَ الطلب: ثمن المواطَنة هو التخلّي عن الدولة-في-الدولة.

وأجابوا بحذرٍ وحُزنٍ وحكمة. قالوا: فرنسا وطننا. إخوتنا كلُّ من يَسكن إلى جانبنا، يهوديّاً كان أو نصرانيّاً. القانون المدنيّ يُلزِمنا؛ لا تخصّ الكنيسَ إلّا الشعائر. سنحمل السلاح من أجل فرنسا. لن نَستوفي ربا من إخواننا الفرنسيّين كما لا نستوفيه من إخواننا اليهود. وقّعت السنهدرين قراراتها، فرضي الإمبراطور، فدوّنها في القانون، فنال يهودُ فرنسا المواطنة التي وعدت بها الثورة.

بَيْدَ أنّ ثَمناً قد دُفع. حُلّت الجماعةُ هيئةً شركيّة؛ ولم يَبقَ غيرُ إيمانٍ كإيمان اللوثريّين أو الكاثوليك، شأنٍ خاصّ بين المرء وربّه. لم تَعُد محكمة ميتس الحاخامية التي كانت تقضي بين أبنائها تقضي. ولم يَعُد الحِرَم نافذاً. صار اليهوديُّ فرنسيّاً من أتباع شريعة موسى. الصفقةُ التي تخيَّلَها مندلسون ختمها نابليون بمرسومٍ إمبراطوري — وبدأ العالم اليهودي من باريس إلى كراكوف يفهم أنّ العصر الحديث قد كتب شروطه بحبرٍ لا يُمحى.

علينا أن نَنظر إلى اليهود فرنسيّين — فرنسيّين يعتنقون اليهودية — لأنّ الأمّة لا تُفرِّق بين الانتماءات الدينية.خطاب أبراهام فورتادو، رئيس جمعية أعيان اليهود في باريس، 1806

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

كانت السنهدرين الكبرى لنابليون ذِروة عمليّةٍ بدأت سنة 1791، حين منحت الجمعيّةُ الوطنيّة الفرنسيّة، باقتراح أدريان دوبور وستانيسلاس دو كليرمون-تونيِّر، المواطنةَ الكاملة ليهود فرنسا. لكن في مطلع القرن التاسع عشر، شكاوى الإلزاسيّين من إقراض اليهود بالربا وبقاء الحكم الذاتي الجماعي حملت نابليون على إعادة فتح المسألة. يبقى كتاب سيمون شفارتسفوكس Napoleon, the Jews and the Sanhedrin (راوتلدج 1979) المرجعَ المعياري؛ ويُموقِع كتاب رونالد شختر Obstinate Hebrews (كاليفورنيا 2003) القضيّةَ في تخيُّل التنوير الفرنسي لليهود.

في 30 أيّار 1806 أصدر نابليون المرسومَ الإمبراطوري بدعوة 'جمعيّة أعيان اليهود'، التي اجتمعت في باريس منذ تموز 1806. تلقّت هذه الهيئة المؤلَّفة من 111 نائباً، برئاسة التاجر السفاردي البوردويّ أبراهام فورتادو، من المفوّضين الإمبراطوريّين — مولي وپورتاليس الابن وپاسكييه — الأسئلة الاثني عشر الشهيرة في الزواج المختلط والربا وعلاقة الشريعة اليهودية بالقانون المدني الفرنسي ومشروعية الحاخامية وواجب الخدمة العسكرية. وصاغت الجمعيّة أجوبتها بين آب وتشرين الأوّل 1806.

ولإكساب هذه الأجوبة قوّةً هلاخيّة مُلزِمة، دعا نابليون عندئذٍ سنهدريناً كبرى، أوّل هيئة تحمل هذا الاسم منذ حلّ المحكمة الأورشليمية في القرن الرابع. اجتمعت من 9 شباط إلى 9 آذار 1807 برئاسة الحاخام داڤيد سينزهايم من ستراسبورغ، يُساعده النَّسيئان يهوشواع بنسيون سِغره من ڤيرتشِلّي وأبراهام دي كولونيا من مانتوڤا. أصدرت السنهدرين تسعةَ قرارات عقدية بنصٍّ ثنائي اللغة عبري-فرنسي. أكّدت تفوُّق القانون المدنيّ على الشريعة اليهودية في المسائل المدنية، وأعلنت فرنسا وطناً ليهودها، ومنعت الربا بين المواطنين الفرنسيّين، يهوداً ونصارى.

كانت النتيجة المؤسّسيّة 'النظام الكونسستوريالي'، الذي أسّسه المرسوم الإمبراطوري في 17 آذار 1808، فأنشأ كونسستوارا مركزيّاً في باريس وكونسستوارات إقليميّة تُشرف على الكُنُس والحاخامات والتعليم اليهودي في الإمبراطورية كلّها. ولكن المرسومَ نفسه اقترن بـ'المرسوم الشائن' في التاريخ ذاته، الذي فرض نظاماً عشريّاً من القيود على النشاط الاقتصادي اليهودي في الإلزاس. نجا النظام الكونسستوريالي سقوطَ نابليون، وشكّل اليهوديةَ الفرنسيّة — وبالمحاكاة قسماً وافراً من اليهودية الأوروبية الوسطى — حتى فصل الدين عن الدولة سنة 1905.

كانت السنهدرين محاولةَ نابليون أن يَستخدم الحُكمَ الذاتي اليهودي ليُلغي الحُكمَ الذاتي اليهودي — أن يَنتزع من الحاخامات إذناً هلاخيّاً يُبرّر زوالَهم سلطةً عامّة.سيمون شفارتسفوكس، نابليون واليهود والسنهدرين (1979)