نحميا وبناء الأسوار
ساقي أرتحششتا يعود إلى يهوذا فيبني أسوار القدس في اثنَين وخمسين يوماً رغم مقاومة سَنبَلاّط وطوبيا.
الرواية الكتابية
كان نحميا بن حَخَلِيا ساقياً للملك أرتحششتا في شُوشَن العاصمة. وحين قدم أخوه حَنَاني من يهوذا وأخبره أنّ سور القدس مهدوم وأبوابها محرقة بالنار — جلس نحميا وبكى وناح وصام وصلّى أمام إله السماء. وفي شهر نيسان وقف أمام الملك وعليه أمارات الحزن، فسأله الملك: 'لماذا وجهك مكتئب وأنت لست مريضاً؟' فاضطرب نحميا جداً، وطلب الإذن بالذهاب إلى مدينة قبور آبائه.
جاء إلى القدس؛ وفي الليلة الثالثة قام مع نفر قليل وطاف الأسوار المهدومة — باب الوادي، عين التنّين، باب المزبلة، باب العين — يستطلع الثُغَر صامتاً. ثم جمع الكهنة والوجهاء والولاة وقال: 'هلمَّ نبني سور القدس فلا نكون بعد عاراً.' فقالوا: 'لنقم ولنبنِ.' فشدّوا أيديهم على هذا العمل الصالح.
أمّا سَنبَلاّط الحوروني وطوبيا الخادم العمّوني وجَشَم العربيّ فاستهزؤوا بهم وتآمروا على قتلهم. فعمل البنّاؤون بيدٍ على الحجر وبأخرى على السيف؛ ونافخو الأبواق مستعدّون لاستنفارهم عند أيّ ثُغرة. وفي اثنَين وخمسين يوماً تمّ السور، في الخامس والعشرين من شهر إيلول. ولمّا سمع كلّ أعدائهم سقطوا في أعينهم، إذ علموا أنّ هذا العمل من عند إلهنا.
فبَنَيْنا السور، واتّصلت كلّ الأسوار إلى نصفها، وكان للشعب قلبٌ على العمل.سفر نحميا ٤:٦
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
يؤرّخ السفر نفسه بعثة نحميا الأولى إلى القدس بسنة العشرين لأرتحششتا الأوّل — ٤٤٥ ق.م — مّا يجعلها من أدقّ الأحداث الكتابية تثبيتاً تاريخياً. وتُعدّ 'مذكّرات نحميا' المنبثَّة في الفصول ١–٧ و١١–١٣ من المصادر الأصيلة القليلة بضمير المتكلّم في العهد العبري، معاصرةً للأحداث التي تصفها. ولا يزال تفسير هيو ويلْيَمسون (WBC، ١٩٨٥) المعالجةَ النقدية القياسية.
تؤكّد آثار القدس في العصر الفارسي مدينةً انكمشت كثيراً عن أوج الهيكل الأوّل. كشفت تنقيبات إيلات مَزار في السفح الشرقي لمدينة داود (٢٠٠٧–٢٠١٨) جزءاً من سور وبرج مرتبطٍ به، عَزَتها إلى إعمار نحميا — وإن ظلّ التأريخ موضع جدل، إذ يحاجّ النقّاد (ومنهم إسرائيل فينكلشتاين) بأنّه حشمونائي. وتُقدَّر سكّان مقاطعة يهوذا الفارسية بـ ١٢٠٠٠–١٥٠٠٠ نسمة في عموم الإقليم؛ والقدس نفسها لم يتجاوز سكّانها على الأرجح ١٥٠٠–٣٠٠٠.
أمّا سَنبَلاّط 'الحوروني'، خصم نحميا الرئيس، فثابتٌ بأدلّة مستقلّة. ففي عريضة الفنتين سنة ٤٠٧ ق.م خطابٌ إلى 'دلايا وشلميا ابنَي سَنبَلاّط والي السامرة'، وهو ما يثبت سَنبَلاّط الأوّل معاصراً لنحميا. ويظهر سَنبَلاّطون لاحقون في برديّات وادي الدالية (القرن الرابع ق.م)، ممّا يدلّ على اسمٍ سُلاليّ. أمّا طوبيا العمّوني فعلى الأرجح جدّ آل طوبيا الذين وثّقهم يوسيفوس ونقوش عراق الأمير في شرق الأردن.
والمدّة المذكورة لإكمال السور — اثنان وخمسون يوماً، طويلاً ما رُفضت بوصفها أسطوريةً — استعادت مصداقيّتها في ضوء أساليب البناء المقارَنة في الشرق الأدنى القديم وضآلة قطر القدس الفارسية (أقلّ من كيلومتر من الترميم لا البناء من الصفر). إنّ مزج نحميا بين السلطة الإمبراطورية (فرامين أرتحششتا) والعمالة المحلية (المنظَّمة بحسب العائلات والحرف في الفصل ٣) والتأطير اللاهوتيّ يُكوِّن وثيقةً إداريةً حديثةً بشكل لافت.
تمنحنا مذكّرات نحميا الواليَ اليهوديَّ الوحيد من العصر الفارسي الذي نسمع صوته من فمه.ليستر غرابي، تاريخ اليهود واليهودية في عصر الهيكل الثاني (٢٠٠٤)