أوريجانوس في قيصرية والهكسبلا
اللاهوتي المسيحي يُعدّ في قيصرية كتاباً مقدّساً من ستّة أعمدة ويتعلّم العبرية على أيدي الحاخامات — أوّل حوار نصّي يهودي–مسيحي منهجي.
الرواية الكتابية
في القرن الثالث الميلادي، حين كانت كنُس قيصرية تطلّ على البحر نفسه الذي تطلّ عليه كنيسة الأسقف، جلس عالمٌ ناطقٌ باليونانية اسمه أوريجانوس إلى جانب الحاخامات يتعلّم منهم عبرية الأنبياء. كان قد فرّ من الإسكندرية بعد خصامٍ مع أسقفه، فصارت المدينة الساحلية اليهودية ملاذه — مكاناً تُتلى فيه التوراة والإنجيل في شارعَين متجاورَين، ولم يكن الفاصل بينهما قد صار جداراً بعد.
كان أوريجانوس رجلاً استوْلى عليه الكتاب. يؤمن أنّ كلّ مقطعٍ من النصّ المقدّس يُخفي نوراً تحت نور، فعكف على مقابلة العبرية بكلّ ترجمةٍ يونانية تيسّرت له. في ورشته الكبرى رتّب ستّة أعمدة جنباً إلى جنب: العبرية، والعبرية مكتوبةً بأحرف يونانية، ونصوص أكويلا وسيمّاخوس والسبعينية وتيودوتيون. كان العمل هائلاً، والرَّقّ ثميناً، والصبر رهبانياً.
ذهب إلى الحاخامات تلميذاً. سألهم عن معاني الكلمات، وأسماء النباتات، وعادات الأعياد، وقراءة الآيات الغامضة. تجادلوا معه أحياناً، وعلّموه أحياناً؛ وفي التلمود والمدراش أصداءٌ خافتة، ربّما، لتلك المحادثات. عبر أوريجانوس دخلت المعرفة الحاخامية إلى شريان الكتاب المسيحي — ودخل الفضول المسيحي تجاه الأسفار العبرية إلى ذاكرة حاخامات الجليل.
لم يكن رجلاً مرتاحاً. وعظ بنارٍ، ومات وعليه آثار المعترِف، تكسّر تحت اضطهاد ديكيوس. لكنّ الأعمدة التي خطّها على رقوقه عاشت بعده. ظلّت الكنيسة المسيحية قروناً تقرأ التوراة العبرية بعينَي أوريجانوس — وتذكر، خافتةً، أنّ حاخامات الجليل كانوا معلّميه.
إذا حاجّنا اليهود في صورة هذه الكلمات، فلا بدّ أن نرجع إلى العبرية، لئلّا نبدو مزوّرين عليهم.أوريجانوس، الرسالة إلى أفريكانوس
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
أوريجانوس الإسكندري (نحو 185 — نحو 253 م) أهمّ مفسِّرٍ كتابي مسيحي قبل قسطنطين، ومُبتكِر النقد النصّي المنهجي للكتاب المقدّس. بعد قطيعته مع أسقفه ديميتريوس حوالي 232، انتقل إلى قيصرية الساحلية، حيث درّس ووعظ وأنجز الهكسبلا — جدولاً سداسيّ الأعمدة للتوراة العبرية يعرض النصّ بالعبرية، وبالعبرية مكتوبةً بأحرف يونانية، وبالترجمات اليونانية الأربع الكبرى (أكويلا، سيمّاخوس، السبعينية، تيودوتيون). كان الأصل ضخماً جدّاً — قرابة خمسين مخطوطة — حتى لم يُنسَخ كاملاً قط؛ راجعه يَرونيموس في قيصرية في ثمانينات القرن الرابع.
لم يبقَ من الهكسبلا إلّا شذرات. يحفظ بَلِمسِست مِركاتي المكتشف في مكتبة أمبروسيانا بميلانو سنة 1896 أعمدةً من المزامير بصيغة الهكسبلا. وأخرجت جنيزة القاهرة شذرة عمود عبري بأحرف يونانية حقّقها تشارلز تايلور (1900). جُمعت القراءات القابلة للاستعادة في كتاب فيلد Origenis Hexaplorum quae supersunt (1875) ويواصل تحديثها مشروع الهكسبلا.
اتصالات أوريجانوس باليهود في قيصرية موثّقة في مواعظه ورسائله. ففي رسالته إلى أفريكانوس (نحو 240) يناقش اختلافات نصّ سوسنة مع مخبرين يهود مسمَّيِين. وقد جرد نيكولاس دي لانج في كتابه أوريجانوس واليهود (كامبريدج 1976) هذه الاتصالات ودلّل على أنّ تفسير أوريجانوس يستوعب موتيفات حاخامية ترد مستقلّةً في التلمود الأورشليمي ومدراش بريشيت رَبّاه — دليل مباشر على حوارٍ نصّي يهودي–مسيحي في القرن الثالث.
المركز العلمي الذي أسّسه أوريجانوس في قيصرية صمد طويلاً. وسّع بمفيلوس، تلميذ تلميذه، المكتبةَ إلى نحو ثلاثين ألف مجلّد؛ واعتمد عليها أوسابيوس القيصري في تأليف تاريخه الكنسي؛ وقصدها يَرونيموس لمراجعة مخطوطات أوريجانوس وهو يُنقّح اللاتينية. دُمِّرت المكتبة في الفتحَين الفارسي والعربي في القرن السابع، لكنّ مناهج النقد النصّي القيصرية ظلّت تُشكّل الكتب المقدّسة المسيحية حتى الحداثة.
أوريجانوس، أكثر من أيّ عالم مسيحي آخر في العصور القديمة، عامَل النصّ العبري والتفسير الحاخامي شاهدَين ذوَي حُجّة على معنى الكتاب.نيكولاس دي لانج، أوريجانوس واليهود (1976)