اتفاقيّات أوسلو
محادثاتٌ سرّيّة بوساطةٍ نرويجية تُنتج مصافحةَ رابين-عرفات على عُشب البيت الأبيض — وعمليةَ سلامٍ لا تزال إخفاقاتُها تُعرِّف المنطقة.
الرواية الكتابية
كان الإطارُ النصّي حول اتفاقيّات أوسلو صراعاً بين دعاوى عَهديّة متنافسة على الأرض ذاتها. عرَّف ميثاقُ منظّمة التحرير الفلسطينية لعام 1968، في موادَّ أُعيدت صياغتها عن أصلِ 1964، فلسطينَ ضمن حدود الانتداب البريطاني وحدةً إقليميّةً غير قابلةٍ للتجزئة، وأعلن الكفاحَ المسلَّح طريقَ التحرير الوحيد — وهي صياغةٌ مُستقاةٌ من خطاب التحرّر العالم-ثالثيّ أكثر منها من الفقه الإسلامي الكلاسيكي، لكنّها مُرسَّاةٌ بلاغياً في عقيدةٍ قروسطيّة تَقضي بأنّ أرضاً كانت يوماً جزءاً من دار الإسلام لا يجوز التفريط فيها. ودخل شعارُ ״من النهر إلى البحر״ المعجمَ السياسيّ الفلسطينيّ في هذه الفترة عبر ميثاق فتح لعام 1964، وشاع بالعربية على لسان الشاعر توفيق زيّاد.
أمّا الردُّ الصهيونيّ-الدينيّ الإسرائيلي، الذي صاغه الحاخام تسفي يهودا كوك من مركز هاراف وتلامذته في غوش إيمونيم منذ 1974، فقرأ سرديّةَ فتح يشوع بوصفها ملزِمةً هلاخيّاً: الأراضي التي اجتاحها 1967 ليست محتلّةً بل محرَّرة، وأيُّ تراجعٍ عنها انتهاكٌ للأمر الإيجابيّ بوراثة الأرض (يروشات هاآرتس) المستفاد من سفر العدد ٣٣:٥٣. والفتوى المعادِلة الصادرة عام 1995 عن حلقةٍ من حاخامات الصهيونية الدينية، التي أعلنت إسحاق رابين مُداناً بمقتضى أحكام موسير وروديف، استمدَّت سلسلتَها مباشرةً من هذا الإطار النصّي. واستشهد يغآل عمير، الذي اغتال رابين في 4 تشرين الثاني 1995، بهذه الفتاوى في شهادته أمام المحكمة.
ومن الجانب الفلسطيني، قاد الرفضَ الديني-النصّي لأوسلو حركةُ حماس بقيادة الشيخ أحمد ياسين، التي أعلن ميثاقُها الصادر عام 1988 — المَدين كثيراً لمعالم في الطريق لسيّد قطب ولكتابات حسن البنّا — أنّ فلسطين التاريخية بأكملها وقفٌ إسلاميٌّ غير قابلٍ للتنازل، لا يَملك فردٌ ولا تنظيمٌ، بمن فيهم منظّمةُ التحرير، صلاحيةَ التفريط فيه. وكانت لعقيدة الوقف في تطبيقها على فلسطين جذورٌ أبكر في فتاوى مفتي القدس الحاج أمين الحسيني في الثلاثينات، لكنّ احتجاج حماس بها أعطاها قوّةً تنفيذية في وجه عملية السلام.
وهكذا كانت المصافحةُ على عُشب البيت الأبيض في 13 أيلول 1993 لحظةَ غموضٍ نصّيٍّ مقصود. تحدَّث إعلانُ المبادئ عن ״مفاوضات الوضع الدائم״ دون تسميةِ السيادة أو القدس أو اللاجئين أو الحدود — مُبقياً المعجمَ اللاهوتيَّ-الإقليميَّ المتنازَع عليه معلَّقاً. واستشهد كلٌّ من رابين وعرفات في خطابَيهما بالأنبياء: استدعى رابين سفر الجامعة الإصحاح ٣ (״للحرب وقتٌ وللسلام وقت״)، فيما اقتبس عرفات الآية القرآنية ٢:٢٠٨ التي تأمر المؤمنين بالدخول في السِّلم كافّة. صمد الإطارُ النصّي عامَين؛ وكانت رصاصاتُ المغتال في تل أبيب في 4 تشرين الثاني 1995، في فهمها الأيديولوجيّ لذاتها، فعلَ تأويلٍ نصّي.
كفى دماً ودموعاً. كفى.إسحاق رابين، عُشب البيت الأبيض، 13 أيلول 1993
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تكشَّفت عمليةُ أوسلو في ظلّ الفراغ الاستراتيجي للحظة ما بعد الحرب الباردة وفي ظلّ شِبهِ إفلاسٍ لمنظّمة التحرير الفلسطينية إثر دعمها لصدّام حسين في حرب الخليج 1990–1991، الذي كلّفها الإعاناتِ السعودية والكويتية وأنتج ما يُوثّقه يزيد صايغ في كتابه المرجعي الكفاح المسلَّح والبحث عن الدولة (أكسفورد، 1997) من انهيارٍ بنسبة 90 بالمئة في إيرادات المنظّمة بحلول 1992. وقد أثبتت الانتفاضةُ الأولى (كانون الأول 1987 إلى 1993)، التي قادتها قياداتٌ محلّية في الضفّة وغزّة لا منظّمةُ التحرير في تونس، أنّ قيادة الشتات تفقد صلتَها بالسكّان الفلسطينيين على الأرض.
أنتجت جولاتُ المحادثات السرّية الأربعَ عشرةَ في بوريغارد، الموثَّقة في كتاب أوري سافير العملية (1998) وفي كتاب يوسي بيلين لمسة سلام (1999)، إعلانَ المبادئ الذي صُوِّر عليه بالأحرف الأولى في أوسلو يوم 20 آب 1993. وتمَّ تبادلُ الاعتراف المتبادل في رسالتَين بتاريخ 9 و10 أيلول: اعترفت منظّمة التحرير بحقّ إسرائيل في الوجود بسلامٍ وأمن ونبذت الإرهاب؛ واعترفت إسرائيلُ بمنظّمة التحرير ممثِّلاً للشعب الفلسطيني. ووُقِّع الإعلانُ في البيت الأبيض في 13 أيلول 1993، حيث تصافح رابين وعرفات بإيعازٍ من بيل كلينتون على المرج الجنوبي.
سار التطبيقُ عبر أوسلو الثانية (الاتفاق المرحلي، الموقَّع في طابا وواشنطن في 28 أيلول 1995)، التي قسّمت الضفّةَ الغربية إلى مناطق A (سيطرة فلسطينية كاملة) وB (سيطرة فلسطينية مدنية وأمنية إسرائيلية) وC (سيطرة إسرائيلية كاملة)، وأنشأت المجلسَ التشريعي الفلسطيني الذي انتُخب في 20 كانون الثاني 1996. وعالج بروتوكول الخليل (كانون الثاني 1997) ومذكّرة واي ريفر (تشرين الأول 1998) عمليات الانسحاب اللاحقة. وكان من المفترض أن تنتهي الفترةُ الانتقالية ذاتُ السنوات الخمس بمفاوضات الوضع الدائم حول القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والأمن — وهي قضايا أُجِّلت على وجه التحديد لأنّها لم تكن قابلةً للحلّ ضمن منطق الإطار.
جاء الانهيارُ على مراحل. فقد أزاح اغتيالُ رابين في 4 تشرين الثاني 1995 على يد يغآل عمير، طالبِ القانون الصهيونيّ-الدينيّ في جامعة بار-إيلان، الضامنَ السياسيَّ الإسرائيلي. وفشلت قمّةُ كامب ديفيد الثانية في تموز 2000 في عهد إيهود باراك وكلينتون؛ واندلعت الانتفاضةُ الثانية في 28 أيلول 2000 إثر زيارة أرئيل شارون للحرم القدسي الشريف. وقد راجع التحليلُ المعاصر لروبرت مالي (مراجعة نيويورك للكتب، 9 آب 2001) وكتابُ كلايتون سويشر الحقيقة عن كامب ديفيد (2004) السرديةَ الأولى التي ألقت اللوم على عرفات وحده. ويُقدّم كتابُ رشيد الخالدي وسطاءُ الخداع (2013) وكتابُ إيتمار رابينوفيتش خوضُ السلام (2004) التقييمَين الأكاديميَّين الفلسطيني والإسرائيلي الرئيسيَّين على التوالي.
كانت أوسلو عمليةً قائمةً على افتراض أنّ التأجيلَ سيُولِّد الثقة. لكنّها وَلَّدت بدلاً من ذلك المساحةَ السياسية التي تَمكَّن فيها الرافضون من الجانبَين من التنظيم.رشيد الخالدي، وسطاءُ الخداع (2013)