بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
صعود المسيحية
قصة

بولس الطرسوسيّ

نحو ٣٣-٦٧ م

فرّيسيّ تحوّل إلى رسولٍ يحمل حركة يسوع إلى الأمم في طول العالم الرومانيّ وعرضه — ويكتب أقدم النصوص المسيحيّة.

الرواية الكتابية

كان شاولُ الطرسوسيُّ فرّيسياً، يهوديّاً من الشتات، وُلد في المدينة الكيليكيّة التي منحها مارك أنطونيوس الرومانيُّ مَنزِلَ المدينة الحُرّة، تربّى عند قَدَمَي جمالائيل في القدس، وكان غيوراً فوقَ سنواته على تقاليد آبائه. لمّا بدأ أتباعُ الجليليّ المصلوب يبشّرون في القدس بأنّه قام، رمى شاول نفسه في قمعهم. وَقف موافقاً بينما وضع الشهودُ ثيابهم عند قدميه ورجموا اسطفانوس اليونانيّ المتكلّم، ومدّ الحملة — برسائل من رئيس الكهنة في يده — إلى مجامع دمشق، ليأتي بمن يجدهم من أهل الطريق، رجالاً ونساءً، موثَقين إلى القدس.

وفي الطريق، قُربَ دمشق، عند الظهيرة، صَعَقه نورٌ من السماء أبهى من الشمس فطرَحَه أرضاً. وقال صوتٌ: شاول، شاول، لِمَ تَضطهدني؟ فقال: من أنت يا ربّ؟ والصوتُ: أنا يسوع الذي تَضطهده. قام أعمى، وسِيقَ بالأيدي إلى المدينة، وبعد ثلاثة أيّام جاء التلميذ حنانيا فوضع يَدَيه عليه؛ فسقطت القُشورُ من عينيه. صار أشدُّ مضطهدي حركة يسوع أنشطَ المبشّرين بها، وأخذ للعالم الرومانيّ الصورةَ الرومانيّةَ لاسمه: بولُس.

نحو ثلاثين سنةً جاب شرقَ المتوسّط. بشّر في المجامع وفي الأسواق؛ ضُرب بالعِصِيّ ثلاث مرّات، وجُلِد خمساً، وانكسرت سفينتُه ثلاثاً؛ أسّس جماعاتٍ في أنطاكية، وغلاطية، وفيلبّي، وتسالونيكي، وكورنثوس، وأفسس. وحيثما قُبلت البِشارة وُلد نزاع: هل يُختَن المؤمنون الأمميّون؟ هل يَلتزمون بشرائع الطعام؟ كان جواب بولس، الذي صاغه في رسائله وفي مَجمع القدس، لا — فالصليبُ هَدَم الجدارَ بين اليهوديّ واليونانيّ، والإيمانُ بالمسيح القائم كافٍ.

كَتب رسائلَ — إلى أهل تسالونيكي، إلى الكورنثوسيّين، إلى الغلاطيّين، إلى الرومانيّين، إلى الفيلبّيّين، إلى فيلمون — ونجَت الرسائلُ بعده، نُسخت ونُسخت من جديد، وصارت أقدمَ وثائق الديانة الجديدة، إذ كُتبت قبل أيٍّ من الأناجيل الأربعة. اعتُقل في القدس على إثر اضطرابٍ في أفنية الهيكل، فاستأنف بصفته مواطناً رومانيّاً إلى قيصر؛ أُرسل تحت الحراسة إلى رومة؛ ينتهي سِفر الأعمال وهو في إقامةٍ جبريّةٍ في المدينة الإمبراطوريّة يُبشّر ״بكلّ ثقةٍ، لا يَمنعه أحد.״ ويَنقل التقليدُ أنّه قُطع رأسُه في عهد نيرون، نحو ٦٤ أو ٦٧ م، على طريق أوستيا.

ليس يهوديٌّ ولا يونانيّ، ليس عبدٌ ولا حُرّ، ليس ذكرٌ ولا أنثى: لأنّكم جميعاً واحدٌ في المسيح يسوع.غلاطية ٣:٢٨

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

بولس الطرسوسيّ، إلى جانب يسوع، أكثرُ شخصيّةٍ مفصليّةٍ في تكوين المسيحيّة، وعلى خلاف يسوع تَرك سجلاً وثائقيّاً واسعاً بخطّ يده. والرسائل البوليسيّة السبع غير المتنازَع عليها (روما، وكورنثوس الأولى والثانية، وغلاطية، وفيلبّي، وتسالونيكي الأولى، وفيلمون)، المؤرَّخة جميعاً بين نحو ٥٠ ونحو ٥٨ م، أقدمُ الوثائق المسيحيّة الباقية، وشهادةُ ضميرِ المتكلّمِ الوحيدةُ من جيلِ أتباعِ يسوع الأوّل. تَسبق الأناجيلَ بعشرين إلى أربعين سنةً، وتُوفّر التسلسلَ الزمنيَّ — واللاهوتَ — الأساسيَّ للجيل الرسوليّ.

تُعاد سيرةُ بولس من الرسائل ذاتها (المقاطعُ السِيَريّةُ في غلاطية ١-٢، وكورنثوس الثانية ١١، وفيلبّي ٣) ومن سِفر الأعمال الذي كُتب نحو ٨٠-٩٠ م على يد مؤلّف لوقا. ويَختلف المصدران أحياناً — أبرزَ ما يكون في عدد زيارات بولس للقدس وغايتها — وقد جنحت الدراسات الحديثة منذ أعمال ف. ك. باور في القرن التاسع عشر إلى تَفضيل الرسائل بوصفها مصدراً أوّليّاً. وقد أَحدث كتابُ إ. ب. ساندرز ״بولس واليهوديّةُ الفلسطينيّة״ (١٩٧٧) ثورةً في الحقل بإعادة تأطير بولس لا بوصفه ناقدَ ״الشرعويّة״ اليهوديّة (وهو إسقاطٌ من زمن الإصلاح البروتستانتيّ) بل مفكّراً يهوديّاً أبوكاليبتيّاً مقتنعاً بأنّ موتَ المسيح وقيامته دَشَّنا الجَمعَ الإسخاتولوجيَّ للأمم الذي تنبّأ به إشعياء والأنبياء.

البنيةُ التحتيّةُ لِبِعثة بولس كانت الإمبراطوريّةَ الرومانيّةَ في منتصف القرن الأوّل — السلامُ الرومانيّ، والإطارُ القانونيّ للمواطنة الرومانيّة (الذي طالب به بولس وأَتاح له الاستئنافَ إلى قيصر)، وشبكةُ الطرقات الرومانيّة المعبَّدة والملاحةُ المتوسّطيّة التي مكّنت رحلاته. سَافر بولس ما يُقدَّر بعشرة آلاف ميل، أكثرها على طول طريق سَبَستي العظيمِ في آسيا الصغرى وطريق إغناتيا في مَكدونية، وأسّس جماعاتٍ في مُدنٍ — أنطاكية، أفسس، كورنثوس، تسالونيكي — كانت بالضبط المراكزَ التجاريّةَ والإداريّةَ لشرقِ الإمبراطوريّة. انتشرت الديانة الجديدة على طُرُق التجارة التي بَنَتها الإمبراطوريّة.

لم يَلقَ بولس يسوعَ في حياته؛ وقامت سُلطته الرسوليّة على رؤيا طريق دمشق، التي يَصفها رؤيا (آبوكاليبسيس) للمسيح القائم. وقد نُوزع في هذا الإدّعاء في حياته — على يد ״الرسلِ الفُضليّين״ في كورنثوس، وعلى يد المعلّمين المُهَوِّدين في غلاطية، وعلى يد يعقوب البارّ وقيادة القدس في مسألة شراكة المائدة في أنطاكية (غلاطية ٢:١١-١٤). وجاء الانفصال الحاسم عن الحركة المسيحيّة-اليهوديّة الحافظة للتوراة في القدس في مَجمع القدس (نحو ٤٩ م)، وتَصلَّب بدمار كنيسة القدس سنة ٧٠ م. ومن ذلك الحطام بَزغت الكنائسُ الأمميّةُ التي أسّسها بولس — ورسائلُه التي حَفظَتها — مساراً مُهيمناً للديانة الجديدة.

بولس باختصار ليس مؤسّس المسيحيّة بمعنى مُخترعِ ديانةٍ تُزيح اليهوديّة. هو لاهوتيُّها الأوّل — الرجل الذي يَستنبط، آنيّاً وفي مراسلاتٍ رعويّة، ما يَعنيه أنّ إله إسرائيل قد تصرَّف في الصليب والقيامة.ن. ت. رايت، بولس: سيرة (٢٠١٨)، بتصرّف