البوغرومات الروسية
بعد اغتيال القيصر ألكسندر الثاني، اجتاحت البوغروماتُ منطقة الاستيطان، فدفعت مليونَي يهودي للهجرة إلى أمريكا، وأشعلت العَلِيّةَ الأولى.
الرواية الكتابية
في الشهر الثالث من سنة خمسة آلاف وستّمئة وإحدى وأربعين، قُتل القيصرُ ألكسندر الثاني في عربته على ضفّة قناة كاثرين بپطرسبرغ، وأخذت القنبلةُ التي قتلَتْه السلامَ الطويل الذي عرفه يهود روسيا في حُكمه. كانت بنتٌ من نُبلاء الروس، هيسيا هلفمان، بين متآمري 'نارودنايا ڤوليا'، فانتشرت الإشاعةُ بالنطق والمطبعة بأنّ اليهود قتلوا القيصر — ومن يليسافيتغراد جنوباً، في ربيع تلك السنة، انفلتت العاصفة.
جاءت موجاتٍ كَدَاءٍ لا يَنقَطع. أحرقوا البيوت. كَسَّروا واجهات الدكاكين، ومزّقوا البضائع في وحل الشوارع. ضربوا الرجال، واغتصبوا النساء، وقَطّعوا لِحى الحاخامات. اجتمع الفلّاحون والقوزاق والجنود معاً، ووقفت الشرطة جانباً. علا الصياح من بلدةٍ إلى بلدة: 'بِيي زيدوف' أي اضربوا اليهود. مئتان وخمسون بوغروماً في سنة 1881 وحدها، وتلتها 'قوانينُ أيّار' للقيصر ألكسندر الثالث، فأَغلقت القرى أمام اليهود، وأَغلقت المدارس، وَضَيَّقت منطقة الاستيطان حتى الخنق.
ثمّ في الشهر الثاني من سنة خمسة آلاف وستّمئة وثلاثٍ وستّين أتت كِشينيف. قُتل تسعةٌ وأربعون يهوديّاً، وجُرح اثنان وتسعون جراحاً بليغة، واغتُصبت مئاتُ النساء، ودُمِّر ألفٌ وخمسمئة بيت. أرسلت اللجنةُ التاريخية اليهودية حاييم نحمان بياليك ليجمع الشهادات، فنزل إلى الأقبية حيث كانت الجثث ما زالت ممدّدة، وخرج فكَتَب: 'في مدينة المذبحة، حيث استقدم الربُّ ربيعاً ومذبحةً معاً' — قصيدةٌ من الفظاعة بحيث كَسَرت ظَهر الصبر اليهودي القديم. رُفع علم الدفاع عن النفس. رُفع علم الرحيل. رُفع علم صَهيون.
غادر مليونا يهوديّ روسيا بين 1881 والحرب العالمية الأولى. ذهب أكثرهم إلى أمريكا، وبَنَوا عالم الإيديش العظيم في نيويورك وشيكاغو. وذهب عشرات الألوف إلى أرض إسرائيل وصنعوا العَلِيّةَ الأولى والثانية. وبقي قِلّة وتعلَّموا أن يردُّوا الضرب: في أوديسا وغوميل وبياليستوك نظَّمت الشبيبة فِرَقَ دفاعٍ ذاتي بمسدّساتٍ مهرَّبة من ڤيينّا. لم تكسر البوغرومات الشعبَ اليهوديَّ. بعثرته، وصلَّبته، وعَصْرَنَتْه — وحوَّلت سؤالَ البيت اليهودي من حلم شعراءَ إلى حسابِ بقاء.
قُمْ سِرْ إلى مدينة المذبحة، وادخل أفنيتها، وامسسْ بيدك وانظرْ بعينك على الأسوار وعلى الأشجار وعلى الحجارة وعلى طبقات طين الجدران، دمَ القتلى.حاييم نحمان بياليك، في مدينة المذبحة، 1904
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تَكَشَّفت موجة البوغرومات الروسية 1881–1906 في ثلاث مراحل رئيسية، حلَّلَها كتاب آي. مايكل أرونسون Troubled Waters (پيتسبرغ 1990) وكتاب جون كلير Russians, Jews, and the Pogroms of 1881–1882 (كامبردج 2011). جاءت الموجة الأولى (نيسان 1881 – تموز 1882) في أعقاب اغتيال ألكسندر الثاني في 13 آذار 1881، وشَهِدَتْ نحو 250 بوغروماً تركَّزَت في جنوب منطقة الاستيطان. هَدَم بحثُ كلير الأرشيفي الفرضيّةَ القديمة عن تدبيرٍ مركزي حكومي، وأظهر تفاعلاً مركّباً بين استياءٍ اقتصادي محلّي، وشائعات الفلاحين، وضعفِ الشرطة القيصرية.
كان الردُّ التشريعي القيصري ما عُرف بـ'قوانين أيّار' (الأنظمة المؤقّتة في 3 أيّار 1882)، التي صاغها وزير الداخلية نيكولاي إغناتييف. حظرت القوانين أيَّ استيطانٍ يهودي جديد في القرى داخل منطقة الاستيطان، ومَنعت اليهود من شراء العقارات الريفية، وحرَّمت العمل التجاري اليهودي في الأعياد المسيحية. ثم جاءت حصصُ التعليم (numerus clausus) سنة 1887: قُيِّد اليهود بِـ10% من مقاعد الثانويّات والجامعات في منطقة الاستيطان، و5% خارجها، و3% في پطرسبرغ وموسكو. تبقى Geschichte des judischen Volkes in Russland und Polen لشمعون دوبنوف (المجلد الثالث، 1920) السجلَّ الزمني الشامل المعاصر.
تمحورت الموجة الكبرى الثانية حول بوغروم كِشينيف 6–8 نيسان 1903، في الفصح المسيحي وآخر يوم من عيد الفصح اليهودي. كانت صحيفةُ 'بسرابيتس' المحلّية، التي يُحرّرها پاڤولاكي كروشيڤان، قد قَضَت أشهراً تنشر اتّهاماتِ تهمة الدم بشأن وفاة فتى مسيحي اسمه ميخائيل ريباتشِنكو في دوبوسّاري المجاورة. كانت الحصيلة الرسمية 49 قتيلاً، و92 جريحاً جراحاً بليغة، و1,500 منزلٍ ودكّان نُهبت؛ وَجَمَع تحقيقُ اللجنة التاريخية اليهودية بقيادة بياليك شهاداتٍ نُشرت لاحقاً باسم 'عدا ومن عدا' (1903). أثار البوغروم إدانةً دوليّةً غيرَ مسبوقة، ومنها عريضةٌ وقَّعها 12,500 أمريكي قَدَّمها الرئيس ثيودور روزڤلت في البيت الأبيض.
صاحبت الموجة الثالثة (تشرين الأوّل 1905) الثورةَ الدستورية: نحو 690 بوغروماً في أسبوعَين، بقتلى يهود يتراوحون بين 800 و3,000، وفي حالاتٍ كثيرة بتنظيمٍ من 'المئة السوداء' شِبه الفاشية وبتسامحٍ أو تواطؤٍ من الشرطة المحلّية. يُغطّي كتابُ هنري أبرامسون Prayer for the Government (هارڤارد 1999) الفصلَ الأوكراني. أَطلقت بوغرومات 1903–1906 موجةَ الهجرة الثانية الكبرى: غادر بين 1903 و1914 ما يَنوف على 1.5 مليون يهودي الإمبراطوريةَ الروسية، فأسّسوا العَصَب الديمغرافي ليهود أمريكا، وزرعوا العَلِيّة الثانية (1904–1914) إلى فلسطين العثمانية — الموجة التي ضمَّت بن غوريون وبن تسڤي وبيرل كاتسنلسون.
لم تَخلق البوغروماتُ المسألةَ اليهودية؛ بل كَشَفت أنّه لا جوابَ لها يمكن إعطاؤه ضمن الإطار السياسي لروسيا الإمبراطورية المتأخّرة.جون كلير، روس ويهود وبوغرومات 1881–1882 (2011)