بيلاطُس البُنطيّ، والي يهوذا
والي طِيبيريوس يَطبع رموز العبادة الرومانية على عملات يهوذا، ويذبح جليليّين في صحن الهيكل، ويصلب واعظاً جليلياً عشيّة الفصح.
الرواية الكتابية
في السنة الخامسة عشرة من حكم القيصر طِيبيريوس، إذ كان بيلاطُس البُنطيّ والياً على يهوذا، وهيرودس أنتيباس رئيس ربعٍ على الجليل، وأخوه فيلبّس رئيس ربعٍ على إيتورية وكورة تراخونيتس، وليسانياس رئيس ربعٍ على أبيلِين، في كهنوت حنّان وقيافا — كان كلامُ الربّ على يوحنّا بن زكريّا في البريّة، فجاء إلى كلّ كورة الأردنّ يَكرز بمعموديّة التوبة لمغفرة الخطايا.
وكان هذا بيلاطُس رجلاً قاسي الطبع كاره اليهود — هكذا يَشهد فيلون الإسكندري، الذي عرف أبناءه. أَدخل إلى القدس ليلاً رايات الفيالق التي عليها صورة القيصر، ونصبها قرب قلعة أنطونيا، فخرج الشعب إلى قيصرية البحريّة، وانحنوا أمام منصّة قضائه خمسة أيّامٍ وخمس ليالٍ، يكشفون رقابهم ويقولون: الموتُ ولا نتجاوز الوصيّة بأن لا نصنع لنا تمثالاً منحوتاً. فرقّ قلبه، ورفع الرايات.
ولمّا وقعت ضوضاء في الهيكل بسبب المال، إذ أخذ من خزانة القُربان لبناء قناة ماء، أرسل جنوداً في زيٍّ مدنيٍّ بين الجمع وخناجرُ تحت أرديتهم، فقتلوا كثيرين. هكذا حَكم بيلاطُس، وهكذا أُحضر إلى سيّدنا أولئك الجليليّون الذين ׳خلط دمهم بذبائحهم׳ (لوقا ١٣:١)، فقال: أتظنّون أنّ هؤلاء الجليليّين كانوا خطاةً أكثر من سائر الجليليّين لأنّهم كابدوا هذا؟ كلاّ، أقول لكم؛ بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون.
وفي عيد فصح السنة الثامنة عشرة لطِيبيريوس، جلس بيلاطُس عينه على البلاط الحجريّ المسمّى جبّاثا، فقدّم إليه رؤساء الكهنة رجلاً من الناصرة اسمه يسوع. فلم يجد فيه علّةً، لكنّ الجمع صرخ: اصلبه، اصلبه؛ فبيلاطُس جبانٌ بطبعه خائفٌ من ساداته في رومية، غسل يديه من دمٍ بريء، وأسلمه ليُصلَب عشيّة السبت. وما زال اسمه يُتلى في قانون إيمان المسيحيّة ألفَي سنة.
فسادُه، وأعمال وقاحته، وجَورُه، وعادتُه في إهانة الناس، وقسوتُه، وقتلُه المتواصل لأناسٍ بلا محاكمةٍ ولا حُكم، وقسوتُه التي لا تنقطع وأشدّها فظاعةً.فيلون الإسكندريّ، السفارة إلى غايُس §٣٠١–٣٠٢
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
كان بَنطيوس بيلاطُس الواليَ الرومانيَّ الخامس على يهوذا، وخدم تحت القيصر طِيبيريوس من ٢٦ إلى ٣٦ م — ولايةٌ طويلةٌ بصورةٍ غير معتادة، يُمكن تفسيرها بحمايته من قِبل لوسيوس إيليوس سَيانوس، رئيس الحرس البريتوريّ، الذي سقط من السلطة وأُعدم سنة ٣١ م. ويَشهد لبيلاطُس خمسة مصادر معاصرة أو شبه معاصرة: فيلون الإسكندري (السفارة إلى غايُس ٢٩٩–٣٠٥)، ويوسيفوس (الآثار الـ١٨، ٣٥–٨٩؛ الحرب الـ٢، ١٦٩–١٧٧)، وتاكِيتوس (الحوليّات الـ١٥، ٤٤)، والأناجيل الأربعة، فضلاً عن إشارةٍ في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس ٦:١٣.
ونقشُ بيلاطُس، الذي اكتُشف في قيصرية البحرية سنة ١٩٦١ على يد بعثةٍ إيطاليّةٍ بقيادة أنطونيو فروفا، وأُعيد استخدامه درجةً في تجديدٍ بيزنطيٍّ للمسرح، نصٌّ تكريسيٌّ من أربعة أسطر يقرأ: [DIS AUGUSTI]S TIBERIEUM / [PON]TIUS PILATUS / [PRAEF]ECTUS IUDA[EA]E / [REF]E[CIT]. ويُؤكّد النقش لقبه الصحيح — ׳برافِكتوس׳ لا ׳بروكوراتور׳ (الذي لم يَصِر الصيغةَ القياسيّة لولاة يهوذا إلاّ بعد كلاوديوس) — ويُؤرَّخ تقريباً إلى إعادة بنائه ׳تيبيرييوم׳، ربّما بناءٌ مكرَّسٌ لعبادة طِيبيريوس، في مقرّ إقامته في قيصرية.
وأَدخلت سَكّةُ بيلاطُس البرافكتوريّةُ سنة ٢٩–٣١ م رموزاً عباديّةً رومانيّةً صريحةً على البرونز اليهوديّ: ׳الليتوس׳ (عصا الكاهن العائف المنحنية) و׳السيمبولوم׳ (مغرفة السكيب)، وكلاهما من أدوات الكهنوت الرومانيّ الوثنيّ. لم تكن أيُّ سَكّةٍ يهوديّةٍ سابقة تحمل رموزاً عباديّةً رومانيّةً صريحة. ولم يكن الاختيار بريئاً: يمكن قراءته إمّا بوصفه استفزازاً محسوباً ضدّ الحساسيّات الإيقونوكلاستيّة اليهوديّة، أو بصورةٍ أكثر اتّزاناً، إيماءةَ تطبيعٍ من والٍ رأى رعاياه اليهود سكّاناً مقاطعيّين كسائر السكّان.
ويحفظ فيلون ويوسيفوس معاً سلسلةَ مواجهات: إدخال الرايات التي تحمل تماثيل القيصر إلى القدس، واستيلاؤه على أموال ׳قُربان׳ الهيكل لبناء قناة ماء (نظام بِركة مأمِلّا — برك سليمان)، وذبحُ الجليليّين الذين ״خَلَط دمهم بذبائحهم״ (لوقا ١٣:١)، وأخيراً مذبحةُ حُجّاج السامرة على جبل جَرِزِّيم سنة ٣٦ م. وكانت الحادثة الأخيرة هي التي دفعت أمير سوريا فيتيليوس إلى استدعاء بيلاطُس إلى رومية للردّ على التهم؛ ثم يختفي من السجلّ التاريخيّ، ولا يُعرف مصيرُه النهائيّ.
بيلاطُسُ التاريخِ لم يكن المهنيَّ المتلاعب الذي صوّره البحث الليبراليّ ولا اللاأدريَّ المعذَّب في ׳السيّد ومارغريتا׳ لبولغاكوف؛ بل موظّفاً مقاطعيّاً رومانيّاً بلا مخيّلة، انتهى عقدُه في يهوذا، كما انتهى لكثيرٍ من الولاة الرومان، بالعار.هيلِن بوند، بيلاطُس البُنطيّ في التاريخ والتفسير (١٩٩٨)، بتصرّف