ملكة سَبَأ
ملكةٌ جنوبية تأتي بالجِمال والذهب لتختبر حكمة سليمان؛ تقاليدُ إثيوبية ويمنية تَدَّعي نسلَها.
الرواية الكتابية
ولمّا سمعت ملكة سَبَأ بخبر سليمان من أجل اسم الربّ، جاءت لتمتحنه بمسائلَ صعبة. أتت إلى أورشليم بموكبٍ عظيمٍ جدّاً، بجِمالٍ تحمل أطياباً وذهباً كثيراً جدّاً وحجارةً كريمة؛ ولمّا جاءت إلى سليمان كلَّمته بكلّ ما كان في قلبها. فأَخبرها سليمان بكلّ كلامها، ولم يكن أمرٌ مكتوماً عن الملك إلّا وأَخبرها به. فلمّا رأت ملكة سَبَأ كلَّ حكمة سليمان، والبيت الذي بناه، وطعام مائدته، ومجلس عبيده، وموقف خدّامه وملابسهم، وسُقاته، ومَصعدَه الذي يَصعد به إلى بيت الربّ — لم يَبقَ فيها روح.
قالت للملك: حقّاً كان الكلام الذي سمعتُه في أرضي عن أعمالك وحكمتك. ولم أُصدِّق الكلام حتّى جئتُ ورأت عيناي؛ وها لم يُخبَر لي بالنصف؛ زدتَ حكمةً وخيراً على الخبر الذي سمعتُه. طوبى لرجالك، طوبى لعبيدك هؤلاء الواقفين أمامك دائماً، السامعين حكمتك. ليكن الربّ إلهك مباركاً، الذي سُرّ بك ليجعلك على عرش إسرائيل؛ لأنّ الربّ أحبّ إسرائيل إلى الأبد فجعلك ملكاً لتعمل حُكماً وعدلاً.
أَعطت الملكَ مئةً وعشرين وزنة ذهب وأطياباً كثيرة جدّاً وحجارة كريمة: لم يأتِ من بعدُ مثل ذلك الطيب من الكثرة الذي أَعطته ملكة سَبَأ للملك سليمان. وأيضاً سفن حيرام التي حَملت ذهباً من أُوفير، جلبت من أُوفير خشب الصَنْدَل كثيراً جدّاً وحجارةً كريمة. أَعطى الملك سليمان لملكة سَبَأ كلَّ مرامها الذي طَلبت، فضلاً عمّا أَعطاها سليمان حسب يده الملكية. ثمّ انصرفت وذهبت إلى أرضها هي وعبيدها.
وها لم يُخبَر لي بالنصف: زدتَ حكمةً وخيراً على الخبر الذي سمعتُه.ملوك الأوّل ١٠:٧
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
مملكة سَبَأ التاريخية في جنوب جزيرة العرب (اليمن الحديثة) موثَّقة أثرياً بسخاء. عاصمتها السبئية في مأرب، بسدِّها الترابي العظيم (سدّ مأرب، في استعمالٍ متواصلٍ منذ القرن الثامن ق.م على الأقلّ حتّى انكساره النهائي نحو 575 م) ومعبد أَوَّام المكرَّس للإله المَقَه، نقّب فيها المعهد الألماني للآثار (بوركهارد فوغت) منذ عام 1988. تُسمّي النقوش الملكية السبئية ملوكاً (مكاربة) يَحكمون حضارةً زراعيةً متطوّرةً على طرق البخور منذ النصف الثاني من الألفية الأولى ق.م؛ وهل تمتدّ المؤسسة إلى ملكةٍ من القرن العاشر، فأمرٌ متنازَعٌ عليه.
البديل الشمالي العربي — أنّ الملكة جاءت من مستعمرة تجارة سبئية في الحجاز، ربّما قرب تيماء أو دَدان — اكتسب أرضاً في القرن العشرين باكتشافات نقشية أظهرت أنّ لسبأ مواقع شماليَّ مأرب بكثير منذ مطلع الألفية الأولى. ويُحاجج عمل كينيث كيتشن في كرونولوجيا جنوب الجزيرة بأفقٍ من القرن العاشر لأولئك السبئيّين الشماليّين يلائم التاريخ الكتابي أفضل من اليمنيّ. والقراءتان ليستا متعارضتَين: قد تكون ملكةٌ سبئية حَكمت تحالفاً يَربط قلبَ اليمن بالمستعمرات التجارية على تخوم إسرائيل.
بضائع التجارة نفسها هي الدليل التاريخي الأوثق. يَذكر النصّ جِمالاً تحمل أطياباً وذهباً وحجارة كريمة — وتجارة البخور في عصر الحديد بين جنوب الجزيرة واللڤنت موثَّقةٌ أثرياً جيّداً. اللُبان من أشجار اللُبان في ظفار وحضرموت، والمُرّ من الكوميفورا، والذهب والعطور — هذه أساسات الاقتصاد الجنوبي العربي وقاعدة ثروته. أمّا استئناس الجمل في عصر الحديد، الذي أَمَّنه عمل سبير-حن وبن-يوسف في تمناع إلى أواخر القرن العاشر ق.م، فيتقاطع بصعوبةٍ مع متطلَّبات التأريخ الكتابي للقصّة.
مملكة سَبَأ تاريخٌ حقيقي؛ والملكة التي زارت سليمان تاريخٌ غير قابل للاسترجاع؛ والسرد الكتابي يجلس عند ملتقى طرق التجارة في عصر الحديد بذاكرة بلاط الملك.كيتشن، بتصرّف من Documentation for Ancient Arabia (1994)