سدوم وعمورة
نارٌ وكبريت يُهلِكان مدن السهل؛ ينجو لوط؛ تَنظر امرأته إلى الوراء فتصير عمودَ ملح؛ وتبقى طبقة الدمار في تلّ الحَمّام موضع جدل.
الرواية الكتابية
اختار لوط سهلَ الأردن المرويّ لأنّه 'كجنّة الربّ، كأرض مصر'. لكنّ أهل سدوم كانوا أشراراً وخطاةً للربّ جدّاً. وَعَلت صرخة المدينتين عالياً حتى نزل الربّ نفسه ليرى — وعرّج في طريقه على بَلوط مَمرَا، وأكل تحت بُطمة إبراهيم، وكشَف عن مهمّته. ساوَم إبراهيم: أديّان كلّ الأرض لا يَصنع عدلاً؟ من أجل خمسين؟ خمسة وأربعين؟ عشرة؟ من أجل عشرة لن تُهلَك المدن.
لم يكن فيها عشرة. جاء الملاكان مساءً إلى سدوم، فألَحّ عليهما لوط أن يَبيتا في بيته. قبل أن يَستلقيا، أحاط بالبيت رجال المدينة — من الحَدَث إلى الشيخ، من كلّ ناحية — يَطلبون إخراج الغريبَين إليهم. عرَض لوط ابنتَيه؛ فرفض الغوغاء؛ ضرَب الملاكان أهل الشَغَب بالعمى وأمَرا لوطاً بأن يَجمع أهلَه ويَهرب. ظنّ أصهارُه أنه يَمزح. عند الفجر أمسَك الملاكان بيد لوط وامرأته وابنتَيه، رحمةً من الربّ، وأخرجَاهم وأقامَاهم خارج المدينة.
ثم أمطر الربّ على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً من السماء؛ وقَلَبَ تلك المدن وكلَّ السهل وجميع سكّان المدن ونباتَ الأرض. ونظرت امرأة لوط من ورائه فصارت عمودَ ملح. وبَكَّر إبراهيم في الصباح إلى الموضع الذي وَقَف فيه أمام الربّ، وأشرَف على وجه سدوم وعمورة وعلى كلّ وجه أرض السهل، فإذا بدخان الأرض يصعد كدخان الأتون.
والخاتمة من أغرب فصول سفر التكوين. لوط، وحدَه مع ابنتَيه في كهف بصُوغر، يَسكر؛ تَضطجع البنتان معه في ليلتَين متتاليتَين، اعتقاداً منهما بأنّ الجنس البشريّ قد انقرض. تَلِد الكُبرى مُؤاب، والصُغرى بَن-عَمّي — وهما الجدّان الأصلان لمُؤاب وعَمّون، الشعبَين الواقعَين شرق الأردنّ اللذَين تَبدأ هنا علاقتُهما الطويلة المضطربة مع إسرائيل. تَصير مدن السهل كنايةً كتابية ثابتة عن الدينونة الإلهيّة: يَستحضرها بأسمائها إشعياء وإرميا وحزقيال وعاموس وصَفنيا، ويَسوع.
أديّانُ كلّ الأرض لا يَصنع عدلاً؟سفر التكوين ١٨:٢٥
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
الموقع التقليديّ لمدن السهل هو الشاطئ الجنوبي الشرقي للبحر الميّت، حيث نُقّبت خمسةُ مواقع من العصر البرونزيّ المبكّر — باب الذراع، نُمَيرة، الصافي، فيفا، خَنازير — على يد والتر راست وتوماس شاوب بين عامَي ١٩٦٥ و١٩٨١. ويُظهر كلٌّ من باب الذراع ونُمَيرة طبقاتِ دمار واسعة من البرونزي المبكّر الثالث (نحو ٢٣٥٠ ق.م) ذاتَ رواسب احتراق سميكة، ولَبِنات طينية مُنهارة، وجُثثٍ بَقِيت حيث وقَعت. وقد جادل راست وشاوب بتعريفهما بسدوم وعمورة، وإن كان معظم علماء الآثار اليوم يَعدّون الفجوة الزمنية مع سَردية الآباء حاسمةً ضد المعادلة التاريخية المباشرة.
ثمّة اقتراح أحدث وأكثر إثارةً للجدل يضع المدن في تلّ الحَمّام، وهو تلٌّ كبير من العصر البرونزي الوسيط في سهل البحر الميّت الشمالي الشرقي. ويَزعم ستيفن كولينز ومشروع تنقيب تلّ الحَمّام منذ ٢٠٠٥ أنّ الموقع يُظهر دماراً عنيفاً نحو ١٦٥٠ ق.م يَتّسق مع 'انفجار جوّي كوني' — حدثٌ نَيزكيّ من نوع تونغوسكا. وأَورَد بحثهم في Scientific Reports عام ٢٠٢١ (بانش وآخرون) كوارتزَ مَصدوماً، وفخّاراً مذاباً، وهياكلَ في وضعيّات موتٍ عنيفٍ مفاجئ؛ في حين رفض تعليقُ الأقران اللاحق (روبرت هيرمس ومارك بوسلوف وآخرون) تفسيرَ الانفجار الجوّيّ بقوّة، مدافعاً عن أنّ الأدلّة تتّسق مع طبقات دمار اعتيادية.
وتُسهم جيولوجيا حوض البحر الميّت ذاتها في معقولية الأسطورة. يَجلس الحوض على فالق البحر الميّت النشِط زلزالياً؛ تَطفو نوافذ القار ومكعّبات الإسفلت إلى السطح؛ والمنطقة شهيرةٌ بغناها برواسب الكبريت ('كبريت' الكتاب هي gophrith العبرية، الكبريت الكيميائي). وقد وُثِّقت تاريخياً زلازلُ صحبَتها اشتعالاتُ تسرّبات الغاز الطبيعي على طول الفالق، ويُمكن أن تكون قد دمّرت مستوطنات متعدّدة في وقت واحد.
وامرأةُ لوط بوصفها 'عمودَ ملح' لها حياة لاحقة جغرافية شعبية خاصّة بها: فأعمدة الملح الإنسانية الشكل على سفوح جبل سدوم (جبل أُسدُم)، وهي مَلحٌ ديابيريّ على الشاطئ الجنوبي الغربي للبحر الميّت، أُشير إليها بوصفها 'امرأة لوط' منذ زمن يوسيفوس على الأقل (قِدَم اليهود ١، ١١، ٤)، الذي يَدّعي أنّه رآها بأمّ عينيه. وتتآكل هذه الأعمدة الطبيعية وتتشكّل من جديد على مقياس زمنيّ بعقود، فتَستَوعب تقليداً متّصلاً بلا التزام بنموذج بعينه.
طبقات الدمار في باب الذراع ونُمَيرة حقيقيّة ودراميّة؛ وتبقى مسألة مطابقتها لسدوم وعمورة الكتابيتَين أكثرَ مسائل التعريف شحنةً لاهوتيّةً في آثار بلاد الشام.والتر راست وآر. توماس شاوب، باب الذراع: تنقيبات في موقع المدينة (٢٠٠٣)