تأسيس تلّ أبيب
اقترَعت ستٌّ وستّون عائلة على قِطَعِ أوّل مدينة عبرية حديثة على كثيبٍ رمليّ شمال يافا.
الرواية الكتابية
في اليوم الحادي عشر من شهر نيسان سنة خمسة آلاف وستّمئة وتسعٍ وستّين، حين هَبَّت ريحُ البحر فوق الكثبان شمالَ ميناء يافا القديم، اجتمعت ستٌّ وستّون عائلةً من جمعية 'أحوزات بايت' على الرمل الفارغ ووقفت على ربوة. لم يكن طريق. لم تكن أشجار. لم يكن ماءٌ غير ما حملوه في جِرارهم. أحضر عقيڤا أرييه ڤايس، الساعاتي من لودز، كومةَ أصدافٍ بحرية وكومةَ حصى، أبيضَ ورماديّ، وقال: نَقترع، والربُّ يُقَسِّم الأرض.
وضع ستّاً وستّين صدفةً رمادية في جانبٍ، وستّاً وستّين صدفةً بيضاء في جانب. كتب على الرماديّة أسماء الستّ والستّين عائلة. وكتب على البيضاء أرقامَ القِطَع. ثم جذب طفلٌ صدفةً رمادية، وجذب طفلٌ صدفةً بيضاء، فطُوبق اسمٌ برَقم، وهكذا ستّاً وستّين مرّة، حتى صار لكلّ عائلةٍ قطعتُها. لم يكن خصام. لم تكن مساومة. ائتمن أفقرُ خيّاط وأَغنى تاجرٍ صدفةَ الحظّ، وضغط المصوِّر أبراهام سوسكين الزرَّ، فصارت تلك الصورة أيقونةَ تأسيس أوّل مدينةٍ عبرية حديثة.
سَمَّوها أوّلاً 'أحوزات بايت' أي 'العقار البيتي'، لكنّ في السنة التالية، باقتراحٍ من مناحم شَينكين وبعد جدلٍ، أَخذوا اسماً من النبيّ حزقيال، الذي تكلَّم على مكانٍ اسمه تلّ أبيب جلس فيه المنفيّون على نهر خبار في حُزنهم. تلّ — رابيةُ الماضي القديم. أبيب — ربيعُ الابتداء الجديد. كان الاسم بنفسه شعراً، وقد جاءوا به من المدينة التي تَخيَّلَها هرتسل في روايته اليوتوپية 'ألتنويلاند'، حيث ترجم نحوم سوكولوڤ 'الأرضَ القديمةَ-الجديدة' بِـ'تلّ أبيب'.
ارتفع البيتُ الأوّل، فالثاني، ورُسمت الشوارع بخطوطٍ أوروبية مستقيمة. شُيِّدَت أوّل ثانوية عبرية، 'هرتسليّا'، على الكثبان؛ كان طلّابها يَمشون إلى المدرسة عبر الرمل. ارتفع أوّل مسرحٍ عبري. وأوّل صحيفةٍ عبرية. وأوّل بنكٍ عبري. حين دخل الجيش البريطاني لطرد العثمانيّين سنة 1917، كان يَسكن تلّ أبيب ثلاثة آلاف يهودي. واليوم تُعلَّق صورةُ القرعة في دور البلدية والصفوف، وكلّ طفل ينظر إليها يَرى اللحظة التي سحب فيها أناسٌ بُسطاء أصدافاً من كومةٍ، وجعلوا أنفسهم أوّلَ جيلٍ منذ ألفَي سنة يَبني لنفسه مدينةً عبرية.
كنّا سنبني مدينة — مدينةً عبرية، مدينةً يهودية، لم يَقُم في العالم مثلُها منذ الخراب.عقيڤا أرييه ڤايس، خطاب تأسيس أحوزات بايت، 11 نيسان 1909
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تَستعيد كتب باربرا مان A Place in History (ستانفورد 2006) ومعوز عَزَريَهو Tel Aviv: Mythography of a City (سيراكيوز 2007) وعَنات هلمن Young Tel Aviv (برانديز 2010) تأسيسَ تلّ أبيب في 11 نيسان 1909 بالتفصيل. كانت جمعيّةُ 'أحوزات بايت' للإسكان قد تأسّست في يافا في تموز 1906، حين جمعت ستّون عائلة يهودية أموالاً لشراء أرضٍ شمالي يافا من المالك اليوناني مصطفى قصّار، بمساعدة يعقوب حنكين وبنك أنغلو-فلسطين.
دُفع ثَمَنُ القطعة، وهي نحو 11 هكتاراً من الكثبان عُرفت بِـ'كرم الجبلي'، مراحلَ بين 1906 و1908. وَضَع المعماريُّ الڤيينّاويُّ ڤيلهلم شتياسني خطّةَ شوارعَ أوّلية؛ ثم نقّحها رئيسُ الجمعية عقيڤا أرييه ڤايس على نموذج 'مدينة الحدائق' الأوروبية الذي سيُهذِّبه پاتريك غِديس لاحقاً في خطّته الرئيسية للمدينة سنة 1925. وَزَّعَت قرعةُ الأصداف في 11 نيسان 1909 ستّاً وستّين قطعة؛ صورةُ سوسكين محفوظة لوحَ زجاجٍ رقمَ 1004 في مجموعة متحف أرض إسرائيل.
أُعيدت تسمية الحيّ تلّ أبيب في 21 أيّار 1910 في اجتماعٍ عامّ للجمعية. جَمَع الاسمُ العبري بين 'تلّ' (التلّ الأثري الرامز إلى استمرارٍ مع القِدَم) و'أبيب' (الربيع الرامز إلى التجدُّد)؛ وقد استَخدمه نحوم سوكولوڤ عنواناً لترجمته العبرية سنة 1902 لرواية هرتسل Altneuland. انتُخب أوّلُ مجلسٍ بلديٍّ في حزيران 1910 برئاسة مئير دِيزِنغوف؛ الذي بقي رئيساً للبلدية (مع انقطاعٍ واحد) حتى وفاته سنة 1936. افتُتحت ثانوية 'هرتسليّا' العبرية سنة 1909 بمئتَي طالب؛ وكانت أوّل ثانوية في العالم تَنعقد كاملةً بالعبرية الحديثة.
نالت تلّ أبيب وضعَها بلديّةً مستقلّة من سلطات الانتداب البريطاني بموجب 'مرسوم بلدية تلّ أبيب' في 11 أيّار 1921، فَفُصلت إداريّاً عن يافا. ونما سكّان المدينة بسرعة: 2,084 سنة 1914، و15,185 سنة 1922، و46,101 سنة 1931، و150,000 سنة 1936. وَصَل لاجئو الباوهاوس من ألمانيا بعد 1933 — ومنهم المعماريّون أرييه شارون، وزِئِڤ رِختر، وغِنيا أڤِربوخ — فصمَّموا أكثر من 4,000 مبنى بالأسلوب الدولي، أكبرَ تجمُّعٍ للعمارة الباوهاوسية في العالم. سَجَّلَت اليونسكو 'المدينةَ البيضاء' على قائمة التراث العالمي سنة 2003 تكريماً لهذا التجمُّع.
كانت تلّ أبيب أوّلَ مدينةٍ يهودية في الحداثة لم تَقُم بهجرةٍ دينية أو مشروعٍ رأسمالي، بل مشروعاً ثقافيّاً مقصوداً — الصورةَ الحضريّة للنهضة العبرية.معوز عَزَريَهو، تلّ أبيب: ميثوغرافيا مدينة (2007)