الضربات العشر
سلسلةٌ من الكوارث — دمٌ، ضفادعُ، ظلامٌ، ضربةُ البكور — تكسر قلب فرعون وتُحرِّر إسرائيل.
الرواية الكتابية
حين عاد موسى إلى فرعون وطَلَب منه أن يُطلق الشعب، قال فرعون: مَن الربُّ حتى أَسمع لصوته فأُطلق إسرائيل؟ لا أعرف الربَّ، ولا أُطلق إسرائيل. هكذا بدأ الصراعُ الذي يُقدّمه سفر الخروج مُبارزةً بين آلهة. كلُّ ضربة تَضرب إلهاً من آلهة مصر وعموداً من أعمدة اقتصادها: النيل، والماشية، والشمس، والبكور. كلُّ واحدة تُقسّي قلب فرعون أكثر. كلُّ واحدة تَجعل خلاصَ إسرائيل أقربَ إلى الحتميّة.
أوّلاً تحوَّل النيل إلى دم، فماتت السمكة، وأَنتنَ النهر، فلم يَستطع المصريّون الشُربَ. ثم صَعِدت الضفادعُ من النهر إلى البيوت ومعاجن الخبز. ثم بَعوضٌ من التراب. ثم أسرابُ ذُبابٍ كثيف، لكن في بيوت المصريّين فقط — أمّا أرضُ جاسان حيث أقامت إسرائيل فلم تُمَسّ. ثم وباءٌ قَتَل ماشيةَ مصر وأَبقى ماشيةَ إسرائيل. ثم دمامل لم يَستطع حتى سحرة فرعون الوقوف أمامها. ثم رعدٌ وبَرَدٌ بنار في أرضٍ نادراً ما تُمطر. ثم جرادٌ أَكَل ما أَبقاه البَرَد. ثم ظلامٌ على مصر ثلاثة أيّام، وفي مساكن إسرائيل كان نور.
وقَسَا قلبُ فرعون — أوّلاً بقراره، ثم بصورة متزايدة، يَقول النصّ، من قِبَل الربّ نفسه. فرعونُ سفر الخروج دراسةٌ في سيكولوجيا الرفض: كلُّ ضربة تأتي به إلى حافّة الإفراج، وكلُّ هدوء يُقسّيه من جديد. عند الضربة التاسعة يُساوم؛ وعند العاشرة لم يَبقَ له ما يُساوِم به.
والضربةُ العاشرة هي المِفصل. عند منتصف الليل سيَعبر المُهلِكُ في أرض مصر، وكلُّ بكر — من فرعون على عرشه إلى الأَمَة وراء طاحونتها — سيَموت. لكن كلَّ بيتٍ إسرائيليّ ساكفُه مَختومٌ بدم خروف سيُتَجاوَزُ عنه. حَفِظت إسرائيل أوّلَ فِصحٍ في تلك الليلة وأحقاؤهم مَشدودة وعصيُّهم في أيديهم؛ في منتصف الليل عَلَت الصرخةُ في مصر إذ لم يَكن بيتٌ إلّا وفيه ميت؛ فقام فرعونُ ليلاً ودعا موسى وهارون وقال: قوموا اخرجوا من بين شعبي.
فحدث في نصف الليل أنّ الربَّ ضَرَب كلَّ بِكرٍ في أرض مصر... وكان صراخٌ عظيم في مصر إذ لم يَكن بيتٌ ليس فيه ميت.سفر الخروج ١٢:٢٩-٣٠
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تَرجع التفسيراتُ الطبيعيّة للضربات إلى غرينبرغ وهورت وعلماء المصريّات الأوائل في القرن التاسع عشر. اقترحت مقالةُ غريتا هورت من جزأَين 'ضربات مصر' في Zeitschrift für die alttestamentliche Wissenschaft (١٩٥٧-١٩٥٨) سلسلةً بيئية موحَّدة: فيضانٌ ثقيل للنيل في أواخر الصيف يَحمل طحالبَ سَوْطية حمراء معلَّقة (من فئة Pfiesteria) تَمنح النهرَ لونَه 'الدمويَّ' وتُحدِث قتلاً لاهوائياً للأسماك؛ فتَدفع الأسماكُ المحتضرة الضفادعَ إلى اليابسة؛ وتَترك الضفادعُ التي تَموت بالجملة فُرصةً للحشرات اللاسعة؛ فتَنشر الحشراتُ أمراضَ الماشية المنقولة بها؛ وتُنتج البيئة المضطربة في النهاية عاصفةَ بَرَد وضربةَ جراد تَحملها الرياحُ السائدة من الحبشة؛ ويُنتج غبارُ الجراد وعاصفةُ خماسين رمليّة أيّامَ الظلام.
سلسلةُ هورت أنيقةٌ لكنّها استنتاجيّة. لا تَستطيع تفسيرَ الضربة العاشرة على الإطلاق ونُقدت لمحاولتها الإفراطَ في تطويع البيئة المصرية لتسلسلٍ أدبيّ. ومع ذلك، ثمّة موازياتٌ لافتة: تَصِف ورقةُ بَردي إِپوويَر (ليدن ٣٤٤، المؤرَّخة عادةً بأواخر الدولة الوسطى أو الفترة الانتقالية الثانية) مصرَ بلغةٍ شبيهةٍ على نحوٍ ملحوظ بسفر الخروج ٧-١٢: 'النهر دم'، 'الوباء في كلّ الأرض'، 'الذهبُ واللازوردُ مُعلَّقان حول رقاب العبيد بينما تَسير نساء النبلاء في خِرَق'. وهل إِپوويَر وصفٌ لأحوال انهيار الهكسوس، أم لفوضى الفترة الانتقالية الأولى، أم نمطٌ أدبيّ في الانقلاب الاجتماعي — فمحلّ جدل.
ربطت فرضياتٌ بُركانية الضرباتِ بثوران ثيرا (سَنتوريني) نحو ١٦٢٠ ق.م، الذي أنتج سحابةَ رمادٍ عالمية، واحتمالَ احمرار المياه برسوب رمادٍ غنيٍّ بالحديد، وظواهرَ جوّية تَتضمّن ظلامَ حجاب الغبار. والكرونولوجيا متعسّرة: ثيرا أبكرُ من اللازم لأيّ تأريخ تقليديّ للخروج، وإن كان بعضُ علماء المصريّات (ومنهم بيتاك) جادل بإعادة تأريخ ثيرا إلى أواخر القرن السادس عشر ق.م ممّا يُقرّبها.
من زاوية المصريّات، أبرزُ ما في رواية الضربات هو ما لا تَحويه: لا مصدر مصريَّ من أيّ عصرٍ يَذكر الفقدانَ الكارثيَّ لكلّ بكر أو إهلاكَ جيش فرعون عند بحر السوف. والكتاباتُ الملكيّة المصريّة صامتةٌ منهجياً عن الهزائم — احتفل رمسيس الثاني بقَدَش انتصاراً رغم تعادُلها — فهذا الصمتُ ليس حاسماً. لكنّه يَعني أنّ الضربات، شأن الخروج نفسه، حدثٌ يوجد كاملاً فقط داخل التقليد النصّيّ الذي يُسجّله.
تَستقيم ضرباتُ مصرَ لاهوتاً وأدباً؛ أمّا معقوليّتها تاريخاً فمسألةٌ مستقلّة، ولن يُملأ صمتُ المصادر المصريّة على الأرجح.جيمس ك. هوفماير، إسرائيل في مصر (١٩٩٦)