بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
الهولوكوست
قصة

مؤتمر فانزه

20 كانون الثاني/يناير 1942

خمسةَ عشرَ مسؤولاً نازيّاً يجتمعون في فيلّا على ضفّة بحيرة برلينيّة لتسعين دقيقة، فيُبَيرقِرطون قتلَ 11 مليون يهوديّ.

الرواية الكتابية

في صباح 20 كانون الثاني/يناير 1942 اجتمع خمسةَ عشرَ مسؤولاً كبيراً من الرايخ الألماني والحزب النازي في فيلّا مصادَرة على ضفّة بحيرة في العنوان ״أم غروسن فانزه 56-58״ في حيّ فانزه جنوب غرب برلين. كان رينهارد هايدريش رئيس مكتب أمن الرايخ الرئيسيّ هو الذي دعاهم. وفي جدول الأعمال الموزَّع سلفاً بندٌ واحد: ״الحلّ النهائيّ للمسألة اليهوديّة״. حضر أدولف أيخمان، رئيس قسم شؤون اليهود في المكتب، وكتب المحضر؛ وفلهلم شتوكَرت من وزارة الداخليّة، صائغ قوانين نورِمبرغ؛ ورولاند فرايسلر، الذي سيصير بعد قليلٍ قاضي ״محكمة الشعب״ المُشنق؛ وممثّلون عن الخارجيّة والعدل وإدارة الحكم العام في بولندا المحتلّة، وعن الـ SS.

دام الاجتماع نحو تسعين دقيقة. افتتح هايدريش بقراءة تفويضه الذي وقَّعه هرمن غورنغ في 31 تمّوز 1941، والذي يُكلّفه بإعداد ״حلٍّ شاملٍ للمسألة اليهوديّة״ في النطاق الألماني. ثم قدّم عرضاً إحصائيّاً مذهلاً: قائمةً بدول أوروبا وأعداد يهودها — 11 مليوناً في المجموع. القائمة تشمل الجميع: 131,800 في ألمانيا، 2,994,684 في إدارة الحكم العام، 5,000,000 في الاتحاد السوفياتي، و330,000 في إنكلترا، و18,000 في سويسرا، و4,000 في إيرلندا.

وصف هايدريش البرنامج: يُرحَّل اليهود شرقاً، حيث يُوزَّعون في طوابير عملٍ لِشَقّ الطرق؛ ويختفي معظمهم ״بنقصانٍ طبيعيّ״. أمّا البقيّة الناجية فيُعالَج أمرها ״وفقاً للمقتضى״. كانت الكنايات البيروقراطيّة مفهومةً لكلّ من في الغرفة. سيشهد أيخمان لاحقاً في محاكمته في القدس بأنّ اللغةَ في فانزه كانت أصرح ممّا حُفظ في المحضر: جرى الحديث عن طرائق القتل، ومن سيُصفّى وكيف.

لم تكن الاعتراضات أخلاقيّة. سأل شتوكَرت عن الـ Mischlinge — مزدوجي النسب — واقترح التعقيم القسريّ. وقلِق ممثّلو الخارجيّة من تعقيدات دبلوماسيّة. وطلب نويمان عن خطّة السنوات الأربع إعفاءً مؤقّتاً ليهود الصناعات الحربية فوافق هايدريش. صاغ أيخمان المحضر فوُزِّع في ثلاثين نسخة مرقّمة. لم تَنجُ منها إلا واحدة — النسخة 16 المُرسَلة إلى مارتن لوثر في الخارجيّة — وعثر عليها المحقّق الأمريكي روبرت كمبنر عام 1947.

في تنفيذ الحلّ النهائيّ ستُمشَّط أوروبا من غربها إلى شرقها. ويُساق اليهودُ المُرحَّلون فوجاً فوجاً إلى ما يُسمّى غيتوات العبور، تمهيداً لنقلهم إلى الشرق.محضر فانزه، الفقرة الرابعة (مسوّدة أيخمان، 20 كانون الثاني 1942)، النسخة 16 من 30

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

لم يبدأ مؤتمر فانزه المحرقة. ففي 20 كانون الثاني 1942 كان الإِنزاتسغروبن وكتائب الشرطة قد قتلوا نحو نصف مليون يهوديّ في الأراضي السوفياتيّة المحتلّة، وكانت شاحنات الغاز في خِيوْمنُو قد بدأت العمل في 8 كانون الأوّل 1941. يضع كريستوفر براونينغ في ״أصول الحلّ النهائي״ (ييل 2004) وبيتر لُونغريخ في ״المحرقة״ (أكسفورد 2010) قرارَ الإبادة الكلّيّة في خريف 1941. كان فانزه اجتماعَ تنسيقٍ لا اجتماعَ تأسيس.

ما حقّقه فانزه كان إداريّاً. أكّد هايدريش أوّلويّةَ مكتبه على ״الحلّ النهائيّ״ في وجه مزاحمة البيروقراطيّة المدنيّة. وكان المحضر وثيقةً توجيهيّة وُزِّعت في جهاز الدولة، فأُدخِلت البيروقراطيّة رسميّاً في برنامج القتل. ويصف كتاب مارك روزمان ״الفيلّا والبحيرة والاجتماع״ (بنغوين 2002) — المرجع الإنجليزي القياسيّ — فانزه بأنّه اللحظة التي صار فيها الإبادةُ بنداً عاديّاً من بنود التنسيق بين الوزارات.

تُمثّل لغة المحضر ما سمّاه راؤول هلبرغ في ״تدمير يهود أوروبا״ (ييل، طبعة 2003) بمفردات الكناية البيروقراطيّة النازيّة: ״التهجير״ بدل الترحيل، ״المعاملة الخاصّة״ بدل القتل، ״الحلّ النهائيّ״ بدل الإبادة. ويدمج شاؤول فريدلَندَر في ״ألمانيا النازيّة واليهود״ (1997 و2007) السجلَّ البيروقراطيّ للجناة بأصواتِ الضحايا في يوميّاتهم.

وقد افتُتحت فيلّا فانزه — ״أم غروسن فانزه 56-58״ — عام 1992، في الذكرى الخمسين للمؤتمر، بيتاً لمؤتمر فانزه: متحفاً تربويّاً دائماً. حُفظت قاعة الاجتماع. تُعرَض النسخة 16 من المحضر. أسماء المشاركين الخمسة عشر على الجدار، ومصائرهم: ستّةٌ مَثَلوا في نورمبرغ، أُعدم منهم ثلاثة؛ أيخمان اعتُقل في الأرجنتين 1960، حُوكم في القدس، أُعدم 1962.

ما تقرّر في النصف الثاني من 1941 صار في 20 كانون الثاني 1942 شغلاً — مُسنَداً ومجدوَلاً ومُحضَّراً. لم يقرّر فانزه القتلَ. بل جعل القتلَ روتيناً.مارك روزمان، ״الفيلّا والبحيرة والاجتماع״ (2002)