مذبحة يورك (برج كليفورد)
في عشيّة السبت الكبير سنة 4950 للتقويم العبريّ، يَتحصّن مئة وخمسون من يهود يورك في برج كليفورد؛ يَأمر الحبر يوم طوب الجوانيّ بـ ״قِدّوش هَشِّم״. تُحرَق سندات الديون في الكاتدرائيّة. أَفدح مذابح إنكلترا الوسيطة.
الرواية الكتابية
في عشيّة السبت الكبير الذي يَسبق عيد الفصح، 16 آذار/مارس 1190 (السابع عشر من آذار 4950 للتقويم العبريّ)، تَحصَّنت جالية يهود مدينة يورك — قرابة مئة وخمسين رجلاً وامرأةً وطفلاً — داخل برج خشبيّ في قلعة يورك، الذي كان يَنتصب على التلّة العظيمة المعروفة إلى اليوم ببرج كليفورد. كانت قد ساقتهم إلى هناك جموعٌ يقودها أعيانٌ محلّيّون مدينون لمقرضي الفائدة اليهود، ومجنَّدو الحملة الصليبيّة الثالثة الذين أَلهبَتهم خِطَب الواعظين. أَخذهم شريف المَلِك أوّلاً تحت حمايته. وفي اليوم الثاني من الحصار اهتزّ ولاؤه وكان المحاصرون قد جاؤوا بآلات الحصار.
داخل البرج خاطب حاخام الجالية، الحبر يوم طوب بن إسحق الجوانيّ — أحد أصحاب التوسفوت المرموقين وشاعرٌ ليتورجيّ نظَم بيوط ״أُمنام كِن״ ليوم الكفّارة — المحاصرين. ووفقاً لوليم النيوبَرغيّ، أَوثَق المؤرّخين المسيحيّين للحادثة، أَمر يوم طوب أربابَ البيوت بأن يَنتزعوا حياة زوجاتهم وأبنائهم ثمّ حياتهم هم، فلا يقعون في يد الجمهور فيُقتَلون أو يُكرَهون على المعموديّة. ذبح الآباءُ عائلاتهم بسكّين الذابح الشرعيّ؛ نَحَر الرجال أنفسهم؛ أُضرمت النار في البرج الخشبيّ كي لا يَبقى للمحاصرين شيء.
بقيت ثُلَّةٌ صغيرة على قيد الحياة في الصباح. نادَوا من البرج المشتعل أنّهم سيَقبلون المعموديّة إن أُمِنوا. أقسَم زعماء الجمهور — السيّد ريتشارد مالبيس وحلفاؤه — يمين الأمان؛ نَزل الناجون؛ قُتلوا في مكانهم. ثمّ توجّه الجمهور رأساً إلى كاتدرائيّة يورك، حيث كانت السندات والعقود الرسميّة المُسجِّلة للديون لمقرضي الفائدة اليهود محفوظةً للأمان تحت حماية الملكيّة، وأَحرقها في صحن الكاتدرائيّة.
مذبحة يورك أَفدح فصل في تاريخ يهود إنكلترا الوسيطة. ولم تكن مَعزولة. حُمَّى التتويج والحملة الصليبيّة في 1189–1190 ذاتها كانت قد أنتجَت مذابح في تتويج ريتشارد الأوّل في لندن (3 أيلول/سبتمبر 1189)، وفي لينكولن، ونورويتش، وستامفورد، وبيري سانت إدمندز، ولين. وتُذكَر يورك فوقها جميعاً للسعَة، وللموقع المحصَّن، ولـ ״قِدّوش هَشِّم״ — فعل التضحية الجماعيّة بالنفس بدلاً من الردّة. وبعد قرن، في 1290، سيَطرد الملكُ إدوارد الأوّل ما تبقّى من الجالية اليهوديّة الإنكليزيّة؛ ولن يعودوا رسميّاً إلى إنكلترا حتّى 1656.
أَولى لنا أن نموت على شريعتنا من أن نقع في أيدي أعدائنا.كلامٌ يُنسَب إلى الحبر يوم طوب الجوانيّ، عن وليم النيوبَرغيّ، تاريخ شؤون الإنكليز، الكتاب الرابع، الفصل العاشر
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
مذبحة يورك موثَّقة توثيقاً غير معتاد بالنسبة لمذبحة في القرن الثاني عشر. ثلاث حوليّات مسيحيّة — ״تاريخ شؤون الإنكليز״ لوليم النيوبَرغيّ (الكتاب الرابع، الفصول 7–10)، و״الحوليّة״ لروجر هاودن، و״حوليّات روجر وندوفر״ — تَصف الحادثة باتّفاقٍ موضوعيّ كبير وباختلاف أخلاقيّ كبير. وليم النيوبَرغيّ، وهو راهبٌ أوغسطينيّ يَكتب نحو 1196 على بُعد أقلّ من ثلاثين ميلاً من يورك، يُدين القتلة بصراحة لا لبس فيها ويُعطي أَفصَل الروايات. حوليّته هي المصدر الأوّل.
أَنجز إعادة البناء الحديثة للحادثة الكتابُ الكلاسيكيّ لـ ر. ب. دوبسون، ״يهود يورك الوسيطة ومذبحة آذار/مارس 1190״ (Borthwick Papers 45، 1974)، الذي وُسِّع في دراسته اللاحقة ״جاليات اليهود في إنكلترا الوسيطة״ (1996). حدّد دوبسون بأسمائهم المحرّضين الرئيسيّين انطلاقاً من تحقيق المَلِك الذي تلا الحادثة: ريتشارد مالبيس، وليم بيرسي، مارمدوك داريل، وفيليب دو فوكنبرغ — جميعهم بارونات صِغار من يوركشاير، جميعهم مَدينون بكثافةٍ لمقرضي يورك اليهود، وجميعهم أمَّنوا حرق سندات الشيروغراف في كاتدرائيّة يورك في الليلة ذاتها.
دليل الشيروغراف حاسم. في عام 1194، استجابةً مباشرة لحادث يورك، أنشأ التاج ״خزانة اليهود״ ونظام الـ ״أرخاي״ — صناديق نُسخ مزدوجة من سندات الديون تُحفظ تحت حراسة الملكيّة في زهاء عشرين مدينة إنكليزيّة. تُخبرنا هذه الإصلاحات المؤسّسيّة بما كَشفَتْه سنة 1190: لم يَعُد بمستطاع التاج أن يَأتمن الجاليات المحلّيّة ولا أعيان البلاد على حفظ السجلات الماليّة التي تَرتكز عليها قروض اليهود — وبالتالي ضرائب التاج منهم. سياسة التاج الإنكليزيّ تجاه اليهود من 1194 إلى 1290 ليست سوى عقابٍ طويلٍ ليورك.
أَعمالٌ أثريّة في برج كليفورد (البرج الحجريّ الحاليّ من القرن الثالث عشر حلّ مَحلّ البرج الخشبيّ المحروق سنة 1190)، وفي مقبرة يهود يورك الوسيطة في جوبَري، التي حُفرَت في 1982–1983، وضعت بقايا يهود إنكلترا الوسيطة في حوارٍ مباشر مع السجلّ النصّيّ. ضمّت مقبرة جوبَري بقايا قرابة خمسمئة رجل وامرأة وطفل من جالية يورك، ربّما عرف كثيرون منهم أحفاد الناجين من 1190. والألواح التذكاريّة الحديثة في برج كليفورد، التي وُضعت سنة 1978 وعُدّلت سنة 2017، تَحمل اليوم اسم الحادثة بالإنكليزيّة والعبريّة.
لم تكن مذبحة يورك شَغَباً؛ بل كانت فعلاً سياسيّاً محسوباً، خَطَّط له وقاده أعيانٌ مَدينون استَفادوا من إتلاف سندات الديون التي ما كان لهم أن يُلغوها قانونيّاً.ر. ب. دوبسون، يهود يورك الوسيطة (1974، بتصرّف)