دون إسحق أبراڤانيل
وزير ماليّة يهوديّ في قشتالة يَستجدي عبثاً فرديناند وإيزابيلا أن يلغيا مرسوم الطرد، يَخرج إلى المنفى، ويَكتب في البندقيّة تفاسيرَ مسيحانيّةً تُعزّي إسبانيا المنفيّة أربعةَ قرون.
الرواية الكتابية
دون إسحق أبراڤانيل (1437–1508) — رجل دولة، ومفسّرٌ للكتاب المقدّس، وفيلسوف، ومُموِّلٌ ملكيّ — هو آخر رجل عامٍّ يهوديّ كبير في إيبيريا المسيحيّة في العصور الوسطى، والاسم الذي صار للأجيال بعد طرد إسبانيا مرادفاً للمنفى نفسه تقريباً. وُلد في لشبونة من عائلة تَنسب نسبها إلى الملك داود عبر رؤساء الجالوت في يهود بابل، وخدم ثلاثة تيجان متعاقبة: الملك أفونسو الخامس ملك البرتغال، ثمّ فرديناند وإيزابيلا في قشتالة وأراغون، ثمّ الملك فيرّانتي الأوّل في نابولي. ثلاث مرّات صَعد إلى ذُرى الماليّة والاستشارة الملكيّة؛ وثلاث مرّات سِيق إلى الفرار.
وَضَعه منصبه القشتاليّ — مُراقباً عامّاً للضرائب — في غرفة عرش الملوك الكاثوليك في أواخر آذار/مارس 1492، حين صَدَر مرسوم الحمراء بالطرد. تُسجّل الرواية (المحفوظة في تفسيره لسفر الملوك، وفي حوليّة ابنه الحبر يهودا، وفي حوليّة الحبر إلياهو كَپسالي الكَنديّ) أنّ أبراڤانيل تَوسّل إلى فرديناند ليلغي المرسوم، وعَرَض ثلاثمئة ألف دوكاتٍ من ماله الشخصيّ ومن خزانة جالية قشتالة. تَردّد المَلِك. عندئذٍ، تقول الحوليّة، اقتَحَم المُحقِّق الأكبر توماس دي توركيمادا الغرفة، ورمَى صليباً على الطاولة، وصَرَخ: ״يَهوذا الإسخريوطيّ باع سيّده بثلاثين قطعة فضّة. أَيَبيعه جلالتُكم مرّةً ثانية؟״ خَرَج فرديناند من الغرفة. وبَقي المرسوم.
أُجيز لأبراڤانيل أن يُغادر قشتالة بثروته؛ ولم يُجَز ذلك لعشرات الآلاف من اليهود الأفقر. أَبحَر إلى نابولي، وعُيِّن خازناً للملك فيرّانتي الأوّل، وفي غضون سنتَين عاد إلى الفرار حين غزَا ملك فرنسا شارل الثامن جنوب إيطاليا. أَمضى سنواته الأخيرة في البندقيّة، أَكثر جمهوريّات إيطاليا تسامحاً آنذاك مع لاجئي السفارديم. وهناك، بين 1495 ووفاته سنة 1508، كَتب الأعمالَ التي يُذكَر بها اليوم: تفاسيرَ كتابيّة ضخمةً للتوراة، وللأنبياء الأوّلين والأخيرين، ولسفر دانيال، وثلاثيّةً مسيحانيّة — ״روش أَمانا״، و״يَشوعوت مَشيحو״، و״مَعيَني هَيَشوعا״ — كَتبَها ليُعزّي شعباً مهشَّماً بيقين أنّ المسيح آتٍ.
حَسب، استناداً إلى نبوءات دانيال، أنّ المسيح سيأتي قبل سنة 1503 على أَبعد تقدير، وغالباً سنة 1496. كان مخطئاً بالطبع. غير أنّ الأدب المسيحانيّ الذي أَنتجَه في تلك السنين صار حجر الزاوية للثقافة الدينيّة لسفارديم المنفى. في سالونيك، وأمستردام، وبلاطات إيطاليا، وكَنُس المغرب، نُسِخت تفاسيره — وبخاصّة قراءته السياسيّة للكتاب المقدّس، التي تَجعل الملكيّة تنازلاً إلهيّاً للضعف البشريّ لا مثلاً أعلى — وطُبعت وقُرئت أربعةَ قرون.
وإن أَبطأ، فأَنا أَنتظره كلّ يومٍ أن يأتي — لأنّ الموعد بعدُ مَوقوت، والرؤيا ستَنطق.دون إسحق أبراڤانيل، ״يَشوعوت مَشيحو״، البندقيّة 1497
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تَبقى السيرة العلميّة المعياريّة لأبراڤانيل ״دون إسحق أبراڤانيل: رجل دولةٍ وفيلسوف״ لبنتسيون نتنياهو (1953؛ طبعات منقّحة 1968، 1998). نتنياهو — والد رئيس الوزراء الإسرائيليّ المستقبليّ — كَتَب دراسةً جَدَليّةً عظيمةً ثَبَّتت التسلسل الزمنيّ الأساسيّ واستخرجت من الحوليّات سرديّةً متماسكة. وَنَقَّح البحثُ اللاحق، وبخاصّة كتابُ إريك لاوي ״موقف أبراڤانيل من التراث״ (2001)، صورةَ نتنياهو تنقيحاً جوهريّاً، إذ أَظهَر أنّ أبراڤانيل كان منخرطاً في التفسير الكتابيّ السكولاستيكيّ المسيحيّ — نقولا الليرَويّ، وپولُس البُرغوسيّ، و״الـ ’غلوسا أوردِنارْيا‘״ اللاتينيّة — أَعمقَ ممّا أَدركه المؤرّخون السابقون.
تفاسير أبراڤانيل، شكليّاً، آخر إنجاز كبير لتفسير الكتاب المقدّس السفارديّ في العصور الوسطى. وهي شكليّاً أيضاً هجين: تَستورد قالب ״الكستيو״ من التفسير السكولاستيكيّ المسيحيّ (تُطرَح مسألة، تُستعرَض المواقف المتعارضة، يُقدَّم حلّ) إلى داخل إطار حاخاميّ عبريّ. كان هذا اقتباساً مقصوداً. خَدَم أبراڤانيل في بلاطات الملوك الكاثوليك؛ وكان يَعرف الشكل. والنتيجة تفسيرٌ كتابيّ يهوديّ وأوروبيّ في آنٍ واحد على نحوٍ لم يَكُنه تفسيرٌ قبله.
في النظريّة السياسيّة، قراءة أبراڤانيل لإصحاح صموئيل الأوّل ٨ (طلب إسرائيل الملك) هي الموضع الكلاسيكيّ. يَزعُم، خلافاً لمعظم التراث الوسيط، أنّ طلب بني إسرائيل كان خطيئةً تحديداً لأنّه طلبٌ للملكيّة بوصفها كذلك — وأنّ المثل الإلهيّ كان حكم القضاة المتفرّق. ويَستشهد بالتجربة السياسيّة للبندقيّة وفلورنسا وجنوة دليلاً حيّاً على أنّ الجمهوريّات قادرةٌ على الحكم الحسن. لم يكن لهذا الحجاج سابقة قريبة في الفكر اليهوديّ السابق؛ لكنّ له سابقة واضحة في التراث السياسيّ الأرسطيّ-الشيشرونيّ الذي امتصَّه أبراڤانيل في بلاطات إيبيريا.
في المسيحانيّة، دُرِسَ ״يَشوعوت مَشيحو״ و״مَعيَني هَيَشوعا״ بوصفهما عملَين شبه قانونيَّين في شتات السفارديم قرنَين. وأَسهَم حسابهما المفصَّل لسنة الخلاص — استناداً إلى أسابيع دانيال السبعين — مباشرةً في الغليان المسيحانيّ في القرن السادس عشر، بما في ذلك الوسط اللوريانيّ في صفد، وأخيراً الحركة الشبتائيّة في 1665–1666. وقد تَتبَّع باحثون معاصرون (يوسف حييم يَروشَلمي، موتي بن مَلَخ) كيف صارت ممارسات القراءة التي أَرساها أبراڤانيل المصفوفةَ التي يُقاس بها كلّ مدّعٍ سفارديّ للمسيحانيّة جاء بعده.
كانت تفاسيره لسفر دانيال، لمنفيّي السفارديم في القرن السادس عشر، ما كان سفر الـمَراثي لمنفيّي بابل: بنيةً ينتظِم فيها الحزن، وروزنامةً يَنتظر فيها الانتظار.يوسف حييم يَروشَلمي، ״زاخور״ (1982، بتصرّف)