بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
عصر

العصور الكلاسيكية القديمة

586 ق.م — 324 م

الحكم الفارسي والهلنستي والحشموني والروماني. تدمير معبدين؛ تتشكل اليهودية الحاخامية.

الرواية الكتابية

على ضِفاف نهر خابور، وقد صار الهيكل رماداً بعيداً، رأى النبيّ حِزقيال دولاباً داخل دولاب، ومجد الربّ الذي سَكن قُدس الأقداس يَحوم فوق أنهار المنفى. لم يَبقَ إله إسرائيل في القدس. خرج مع شعبه. في أرضٍ غريبة، على سطوحٍ فوق قنوات بابل، اجتمع الشيوخ وبَكَوا. على أنهار ذلك المنفى علّقوا قياثيرهم على الصفصاف؛ لكنّهم بدأوا أيضاً، ببطء، يَكتبون ما كان يَحفظه قبلاً فمُ الكاهن والنبيّ فقط — وأخذ كتابٌ يَتشكّل.

ثم فَتح كورش ملكُ فارس بابل ونادى: من فيكم من كلّ شعبه، فليكن الربّ إلهه معه، فلْيَصعد. فَصَعدوا: زربّابل من ذرّية داود، ويشوع الكاهن الأعظم، وبقيّة تَذكر صهيون. وضعوا أساس الهيكل الثاني، فبكى الشيوخ الذين رأوا الأوّل بصوتٍ عظيم، وهَتف الفِتيان فرحاً، فلم يستطع الناس أن يُميّزوا صوت البكاء من صوت الفرح. وصَعد عَزرا الكاتب لاحقاً والتوراة في يده وقرأها من منبرٍ خشبيّ أمام كلّ الشعب، وأعاد نَحَميا بناء الأسوار في اثنين وخمسين يوماً رغم استهزاء سَنبلّط.

جاءت الجيوش اليونانية؛ وجاء العلم اليوناني؛ ونُصبت مذابح يونانية في الهيكل ذاته. رفض كاهنٌ يُدعى مَتّاتْيا، فقَتل ضابط الملك في مودين، وقاد أبناؤه الخمسة ثورةً كان ينبغي أن تَفشل. أخرَجوا السلوقيّين، وطَهّروا الهيكل، فأوقدت قارورة زيتٍ نقيّ واحدة ثمانية أيّام، وكانت ينبغي أن تَكفي يوماً. حَكم أمراء الحَشمونيّون قَرناً — حتى تنازع اثنان منهم فدَعوا روما لتَحكم بينهما، فلم تَرحل روما.

ثم تَلبَّدت الأيّام نحو النهاية. تَكاثرت الفِرَق — الفرّيسيّون والصدّوقيّون، الأسينيّون عند البحر الميّت يَنسخون المخطوطات، الغَيارى في الجبال يَشحَذون خناجرهم. في عام 70 م، بعد أربع سنوات من ثورةٍ خاسرة، اخترقت الفيالق الرومانية الأسوار وأحرقت الهيكل الثاني حتى أساساته. وبعد خمسة وستّين عاماً قام بَر كوخبا فسُحق؛ ومُحي اسم 'يهوذا' من الخارطة واستُبدل بـ'سوريا الفلسطينية'. لكن في بلدة يَفنه الصغيرة، في السنوات التي تَلت الحريق، جلست حلقةٌ من الحكماء برئاسة يوحنّان بن زكّاي ليَفعلوا شيئاً جديداً. أخذوا يَبنون يهوديّةً تستطيع أن تَنجو بلا هيكل، وبلا أرض، وبلا ملك — يهوديّةَ الكتاب، والكنيس، والمدرسة. كانت المِشنا تُولَد.

أَعطِني يَفنه وحكماءها.منسوب إلى يوحنّان بن زكّاي — الطلب الذي أعاد تأسيس الحياة اليهودية بعد عام 70 م

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

كانت يهوذ الفارسية صغيرة — ربّما 30,000 نسمة في رقعة بضع مئات من الكيلومترات المربّعة حول القدس — لكنّها كانت، مفارقةً، المختبر الذي اتّخذت فيه اليهودية التوراتية شكلها الناضج. أرغم تدميرُ الهيكل التحوّلَ من الطقس إلى النصّ. تُوثّق البُلَل، والعملات، وبَرديّات إلِفنتين (أرشيف آرامي لمستعمرة عسكرية يهودية في مصر من القرن الخامس ق.م) شبكةً من الجماعات العابدة ليهوه المنتشرة عبر الإمبراطورية الفارسية، على تواصلٍ منتظم مع القدس. أَسفار الشريعة الخمسة في صورة قريبة من حالتها الحاضرة، والتاريخ التثنوي، ومعظم الكتب النبويّة — حُرِّرت وقُنِّنت في هذه الحقبة.

وَصَلت الهلّينية مع الإسكندر عام 332 ق.م ولم تَرحل. صارت اليونانية لُغةَ التواصل بين اليهود المتعلّمين في الإسكندرية، حيث جَعلت ترجمة السبعينية للتوراة العبرية إلى اليونانية في القرن الثالث ق.م الكتابات اليهودية متاحةً للعالم المتوسّطي للمرّة الأولى. التفكير اللاهوتي اليهودي، المغروس في فئات الفلسفة اليونانية على يد كُتّاب كفيلون السكندري، سيُشكّل اليهودية الحاخامية والمسيحية الناشئة معاً. أمّا عملات المكّابيّين، وحصون الحَشمونيّين في مَسادا والهيرودون، وأطلال توسعة هيرود الباهرة للهيكل الثاني (الجدران الاستنادية لا تزال قائمةً ككوتل المغاربة وقَوس روبنسون) فهي عمارة إحياء يهودي عدوانيّ.

مخطوطات البحر الميّت، التي اكتُشفت بين 1947 و1956 في إحدى عشرة مغارة فوق خربة قُمران، هي هديّة هذا العصر للبحث الحديث. نحو 900 مخطوطة بالعبرية والآرامية واليونانية — كتابيّة وفِئَوية وأبوكريفية — تَدفع التاريخ النصيّ للكتاب العبري ألف سنةٍ إلى الوراء قبل مخطوطات الماسوريّين الوسطى. تُرينا يهودية لم تَكن بعد حاخاميّة ولا مسيحية: تيّار متوقّد، أبوكاليبتي، كهنوتي، مقتنع بأنّ التاريخ على وَشك أن يَبلغ ذِروته في معركةٍ نهائية بين أبناء النور وأبناء الظلام.

أَنهى الدمار الروماني عام 70 م، الذي وَثّقه بتفصيلٍ قاسٍ المؤرّخ الشاهد فلافيوس يوسيفوس، يهوديّةَ الهيكل. وحلّت محلّها هيئةٌ لم يَرها العالم من قبل: حضارة دينية لا ترتكز على هيكل بل على كتاب محمول، على طبقةٍ من المعلّمين (الحاخامات) محلّ الكهنة، على الكنيس محلّ الهيكل، على الدراسة محلّ الذبيحة. حُرِّرت أقدم طبقات المِشنا نحو عام 200 م. أمّا المسيحية، التي وُلدت في القرن نفسه من الرَّحم اليهودي ذاته، فأخذت طريق الإمبراطورية؛ في حين أخذت اليهودية الحاخامية طريق المدرسة. وستَهيمن كلتاهما على القرون القادمة.

ديانتان خرجتا من أنقاض الهيكل الثاني، والعالم يَتجادل بهما منذ ذلك الحين.غِزا فِرمِش (بتصرّف)