الإسكندر الكبير في القدس
يَروي يوسيفوس عن الكاهن الأكبر يَدّوع والإسكندر الذي ينحني أمام الإكليل الذهبي — أسطورةٌ يهودية-هلنستية حوّلت دبلوماسيةً كهنوتيةً ناجحة إلى أسطورةٍ مؤسِّسة.
الرواية الكتابية
لمّا كَسَر الإسكندر بن فيليبّس ملك مَقدونيا قوس فارس في إيسوس وفي جوجامِلا، نزل بمحاذاة ساحل البحر، وحاصر صور سبعة أشهر وغزّة شهرَين. وبلغ القدسَ خبرُ أنّ الفاتح صاعدٌ إلى المدينة المقدّسة، لأنّها أبت أن تدفع له الجزية، تمسّكاً بقَسَمها لداريوش الفارسي. عندئذٍ خاف يَدّوع الكاهن الأكبر خوفاً عظيماً، فأعلن صوماً وقدّم ذبائح وسأل الربّ.
فأجابه الربّ في حُلم قائلاً: زيّني المدينة، وافتحي أبوابها؛ ليلبَسِ الشعب البياض، وليخرج الكهنة بأثوابهم الكهنوتية، ويلاقوا الملك بلا خوف. فقام يَدّوع وارتدى ثياب الكهنوت الثمانية، وعلى جبينه إكليل الذهب الخالص الذي عليه مكتوب: قُدسٌ للربّ. وخرج الكهنة أمامه بكتّان ناصع، والشعب بالبياض، وصعدوا إلى تَلّ يُسمَّى جبل المشارف، الذي تُرى منه المدينة.
ولمّا رأى الإسكندر الجمعَ بالبياض، وعلى رأسهم الكاهن الأكبر بمجده، نزل من مركبته وانحنى إلى الأرض وحيّا الاسم الذي على الإكليل. اندَهَش قادته؛ وقال له بَرمنيون قائد جيوشه: يا سيّدي الملك، لِمَ تسجد لكاهنٍ يهودي؟ فأجابه: لم أسجد له، بل لإلهه؛ لأنّي رأيتُ في رؤيا في مَقدونيا، قبل أن أعبر إلى آسيا، رجلاً بهذا اللباس عينه، وعدني بأنّ ربّ الجنود سيُسلِم فارس في يدي.
ثمّ أصعده يَدّوع إلى القدس، وأراه سفر دانيال، وفيه مكتوبٌ أنّ ملكاً يونانياً سيُسقط مملكة فارس. ففرح الإسكندر، وقدّم ذبيحةً في الهيكل بحسب توجيه الكاهن الأكبر، وأنعم على اليهود بقوانين آبائهم، وأعفاهم من الجزية كلّ سنةٍ سابعةٍ — هي سنة الشميطة. ثم انصرف بسلام، ونجَت المدينة.
لم أسجد له، بل للإله الذي شرّفه بالكهنوت الأكبر؛ فإنّي رأيت هذا الشخص نفسه في حلم بهذا اللباس عينه، وأنا في ديون بمَقدونيا، وحضّني على ألاّ أتباطأ، بل أعبر البحر بِجُرأة.يوسيفوس، الآثار اليهودية الـ١١، ٣٣٣–٣٣٤
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
لا يضع أيّ مصدر يوناني أو مَقدوني معاصر الإسكندرَ في القدس. كتاب أرّيان ׳أنابازيس الإسكندر׳، المعتمد على مذكّرات بطليموس بن لاجوس وأرسطوبولس من كاسَندريا، يرسم مسيراً ساحلياً من صور (٣٣٢ ق.م) عبر غزّة إلى الفرما ومنها إلى مصر، دون أيّ انعطافٍ نحو جبال يهوذا. كذلك يصمت كوينتوس كورتيوس روفوس وديودور الصقلّي عن القدس. وأقدم مصدرٍ يشهد على اللقاء هو يوسيفوس الذي كتب بعد قرابة أربعمئة سنة، معتمداً على مدحيّةٍ يهودية-هلنستية يَعدّها الباحثون (بيكرمان وموميليانو وكوهين) أسطوريّةً في جنسها وإن حفظت ذكريات حقيقية.
لكنّ المؤكَّد تاريخياً هو الانتقال السلس لمقاطعة يَهود الفارسية إلى الإدارة المَقدونية ثمّ البطلمية دون اضطرابٍ عنيف. لا تُظهر حفريات مدينة داود وموقف غَفعاتي طبقةَ دمارٍ مؤرَّخةً إلى ٣٣٢ ق.م؛ والعملات الفضّية ׳يَهود׳ من أواخر العصر الفارسي تتواصل دون انقطاعٍ إلى مطلع العصر الهلنستي، ولا تُستبدَل تدريجاً إلاّ بعملاتٍ أثينية ثم بطلمية. ويبدو أنّ كهنوت القدس فاوض على هبوطٍ ناعم، وإن كان اللقاء الدراميّ خياليّاً.
أمّا السامريّون فقد عاشوا قطيعةً عنيفة. يذكر كوينتوس كورتيوس روفوس (الرابع، ٨، ٩–١١) أنّ السامريّين أحرقوا حيّاً أندروماخوس، حاكم الإسكندر على كويلا-سوريا، وأنّ الإسكندر عاد من مصر فدمّر السامرة. وجاء التأكيد من وادي الدّاليَة شمال أريحا، حيث استخرج عام ١٩٦٢ بدويٌّ ثمّ بعثة فرانك مور كروس ׳كهف الجماجم׳ هياكلَ نحو ٢٠٠ سامريٍّ ميسور — مع بَرديّاتهم القانونية وخواتم أختامهم — فرّوا من انتقام الإسكندر فاختنقوا بالدخان في الكهف.
بدأت هَلْنَنة القدس في عهد البطالمة في القرن الثالث ق.م، وتسارعت بصورةٍ حاسمةٍ تحت السلوقيّين في الثاني. وعند ثورة المكّابيّين كان للقدس جمنازيون وإفيبيا ودستورٌ مدنيٌّ على الطراز اليوناني أعلنه الكاهن الأكبر ياسون — وهو المفصل الثقافيّ الذي ستدور عليه أزمة أنطيوخس بأكملها لاحقاً.
حلقة الإسكندر-يَدّوع عند يوسيفوس أسطورةٌ يهودية-هلنستية لا تقريرٌ تاريخيّ؛ غير أنّ غياب أيّ طبقة دمارٍ في القدس الفارسية-الهلنستية يؤكّد أنّ ما حدث، أيّاً كان، كان انتقالاً سلميّاً.شاي ج. د. كوهين، من المكّابيّين إلى المشناه (الطبعة الثالثة، ٢٠١٤)، بتصرّف