رسائل العَمارنة
٣٨٢ لوحاً مسماريّاً من عاصمة أخناتون — يَستَجْدي ملوكُ كنعان فرعونَ رماةً ضدّ الحَبيرو، النظيرَ الكنعانيَّ لـ'العبري' الكتابيّ.
الرواية الكتابية
قبل الخروج بقرنَين، جلس حُكّامُ كنعان على عروش مهتزّة. كانت مدنُهم — أُورُشليم ومجدّو وحاصور وجَزَر ولخيش وشَكِيم — أتباعاً لفرعون، يَدفعون الجزية ويُرسلون أبناءهم رهائنَ إلى بلاط مصر. لكنّ فرعون في تلك السنوات كان أخناتون، وكان أخناتون تائهاً في ثورة دينية في عاصمته الجديدة في العَمارنة، مأخوذاً بأَتُن وبزوجته نفرتيتي، تاركاً أتباعَه الشاميّين لتدبّر شأنهم.
ومن تلك العروش المهدَّدة، في أربعينيات القرن الرابع عشر ق.م، تَدفّق سيلٌ من الرسائل. كَتَب ملوكُ كنعان إلى مولاهم البعيد بالأكدية المسماريّة — لغةُ التواصل الدبلوماسيّ في العصر البرونزي المتأخّر — يَستجدون الرماة، ويَتّهمون منافسيهم، ويُحذِّرون من عصاباتٍ مغيرة تُسمّى عابيرو أو حَبيرو، نَهضت في بلاد التلال وتَستولي على المدن. وكتب عَبدي-حِبَه ملك أُورُشليم: 'إنّ الحَبيرو يَنهبون كلَّ بلاد الملك. فإن وُجد رماة هذا العام، تَبقى بلاد سيّدي الملك. وإن لم يَكن هنا رماة، ضاعت بلاد سيّدي الملك'.
حين نَقرأ هذه الرسائل اليوم، يُصبح الإغراءُ لا يُقاوَم: هل الحَبيرو في مراسلات العَمارنة هم العبرانيّون في الكتاب؟ يَتشارك الاسمان الحروفَ الصامتة ع-ب-ر. تَعمل المجموعتان في بلاد التلال نفسها قبل قيام إسرائيل بقرنَين. ويُوصَف كلاهما بأنّهم عصابات لا أمم، مستوطنون على الأطراف، يَغزون مدن السهل، ويَعقدون تحالفاتٍ مؤقّتة مع حُكّامٍ محليّين متذمّرين. ويَعود الإغراءُ إلى هوغو فينكلر، أوّلِ من قرأ ألواحَ العَمارنة، ولم يَزل قائماً.
ويُميِّز أكثرُ الباحثين المعاصرين بين الاثنين. يَبدو الحَبيرو في استعمال العصر البرونزي المتأخّر فئةً اجتماعيّة — خارجين على القانون، ولاجئين، ومرتزقة، ومُهجَّرين من أيّ أصل عرقي — لا جماعةً عرقيّة واحدة. أمّا العبري فهويّةٌ عرقيّة ولغوية. لكنّ الفئتَين تَتداخلان: ربّما نشأت إسرائيلُ في جزء منها من بيئة الحَبيرو، والذاكرةُ الأدبيّةُ للآباء بوصفهم سكّان خيام رُحَّلاً في بلاد التلال تُلائم بصمةَ الحَبيرو تماماً. سواءٌ كانوا الشعبَ نفسه أم لا، فهم يَسكنون العالَم نفسه.
ليُصرف الملكُ وجهَه إلى البلاد وليُرسل رماةً يا سيّدي. لم تَبقَ بلاد للملك. إنّ الحَبيرو يَنهبون بلاد الملك.EA 286، عَبدي-حِبَه ملكُ أُورُشليم إلى فرعون
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
تَتألّف رسائلُ العَمارنة من ٣٨٢ لوحَ طينٍ مسماريّ اكتشَفَتها فلاحةٌ تَحفُر للسماد في تلّ العَمارنة عام ١٨٨٧، العاصمةُ المدمَّرة التي بناها أخناتون لنفسه نحو ١٣٤٦ ق.م وهُجِرت في غضون عشرين سنة من تأسيسها. وُجدت الألواح في ما عُرّف بأنّه مكتب السجلّات في القصر الملكي؛ وقد كُسر كثيرٌ منها في القِدَم. وهي اليوم مقسَّمة بين المتحف البريطاني، ومتحف الشرق الأدنى في برلين، والمتحف المصريّ في القاهرة، مع مجموعات أصغر في أماكن أخرى.
كُتبت الرسائلُ بالأكدية كلِّيّاً تقريباً (لغة التواصل الدبلوماسي)، مع طبقة لغوية كنعانية تحتية ظاهرة في رسائل الأتباع الشاميّين — ممّا يُقدِّم بعضَ أهمّ شواهدنا لمستمرّ اللهجات الغرب-سامية الذي يَتضمّن العبرية الأوّلية. وتَغطّي تقريباً عهود أمنحتب الثالث وأخناتون والسنوات الأولى من توت عنخ آمون (نحو ١٣٦٠-١٣٣٠ ق.م). نحو أربعين منها مراسلات بين فرعون والملوك العظام في بابل وآشور وميتاني والإمبراطورية الحِثّيّة وقبرص وأَرزَوا؛ وما تبقّى نحو ٣٤٠ تقاريرُ من أتباع مصريّين في كنعان وجنوب سوريا.
كتابُ ويليام ل. موران 'رسائل العَمارنة' (١٩٩٢) يُقدِّم الطبعة الإنجليزية القياسية بترجمة وتعليق وفهارس. والذخيرةُ مصدرٌ أوّليّ للجغرافية السياسية لكنعان في العصر البرونزي المتأخّر: فمعظم أسماء المدن الكتابية الكبرى مُوثَّقة (أُورُشليم وشَكِيم ومجدّو ولخيش وجَزَر وحاصور وعكّا وعسقلان وغيرها)، مع تسمية حُكّامها وتسجيل التزامات جزيتها وتوثيق منافساتها بين المدن. وذخيرةُ العَمارنة، مع أرشيف مَاري، إحدى أكبر أرشيفَين شاميَّين قبل-كلاسيكيَّين استُرِدَّا.
ولَّدَ سؤالُ الحَبيرو أدباً علميّاً ضخماً. يَظهر الحَبيرو في نحو ٦٠ من رسائل العَمارنة مصطلحاً عامّاً لجماعات مسلَّحة هامشية. ويَظهر المصطلحُ نفسُه عبر العصر البرونزي — في مَاري، ونوزي، ونصوصٍ حِثّيّة، وأوغاريت — مشيراً إلى منبوذين اجتماعيّين لا جماعةٍ عرقيّة واحدة. والتطابقُ الصوتيّ مع العبري (ʿibri) حقيقيٌّ لكنّه موضع جدل: يَقبل أكثرُ الساميّين المعاصرين أنّ الكلمتَين متّصلتان اشتقاقياً، إذ تَحصر العبريةُ الكتابية فئةَ الحَبيرو الأوسع بنسل عابر. والدراسة الكلاسيكية موشيه غرينبرغ، الحَبّ/پيرو (١٩٥٥).
سواءٌ كان كلُّ الحَبيرو عبرانيّين أم لا، فإنّ كلَّ عبرانيّي تقاليد الآباء يَبدون كالحَبيرو: سكّانُ خيامٍ في المرتفعات يَعملون خارج شبكات المدن-الدول، يُعرَفون بالهامشية الاجتماعية لا بالعرق.نيلز پيتر لِمكه، الإسرائيليّون في التاريخ والتقليد (١٩٩٨)