بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
المؤتمر الصهيوني الأول
قصة

قضيّة دريفوس

1894–1906 م

أُدينَ ضابطٌ يهوديّ-فرنسي زوراً بالخيانة؛ ومقالةُ زولا 'إنّي أتَّهم' شَطَرت فرنسا — وأقنعت هرتسل بأنّ اليهود يَحتاجون دولة.

الرواية الكتابية

في باريس، في خريف سنة خمسة آلاف وستّمئة وخمسٍ وخمسين، اعتُقل ضابطُ هيئة الأركان الفرنسية في مكتبه واتُّهم ببيع أسرار بلاده لإمبراطورية ألمانيا. اسمه ألفريد دريفوس. وكان من الإلزاس. وكان يهوديّاً. قيل إنّ خطّ اليد على 'البوردرو'، تلك الورقة التي عُثر عليها في سلّة مهملات الملحق العسكري الألماني، خطّه. أنكر. لم يَخُن فرنسا. فرنسا بلده. أدانته المحكمة العسكرية المنعقدة وراء أبواب موصَدة.

أَخَذوه إلى ساحة العَرض في الكلّية الحربية في صباح كانون الثاني من سنة خمسة آلاف وستّمئة وستٍّ وخمسين، أمام جمعٍ غفير، فنزعوا الذهب عن كتفَيه، وكسروا سيفه على ركبة العريف، وصاح الجمعُ 'الموتُ لليهودي' وهو يَمشي مجرَّداً صامتاً. صاح هو في وجوههم: إنّي بريء. أُقسمُ إنّي بريء. تحيا فرنسا. يحيا الجيش. أَرسلوه على سفينة المحكوم إلى 'جزيرة الشيطان' قبالة الساحل الفرنسي في غويانا، وقيَّدوه هناك في كوخٍ حجري تحت شمس الاستواء، وكتب من هناك رسائلَ إلى زوجته لوسي، حذف منها الرقيب كلَّ شيء.

لكن كان في باريس ضابطٌ، الكولونيل پيكار، رئيس الاستخبارات العسكرية الجديد، اكتشف أنّ خطّ اليد ليس لدريفوس بل لآخر، الرائد إستيرهازي، رجلِ ديونٍ ومُجون. حمل الحقيقة إلى رؤسائه، فأَسكتوه، ونقلوه إلى تونس، وكادوا يَدفنون الأمر في الصحراء. لكنّ أخا دريفوس، ماتيو، لم يَكُفّ. ولم يَكُفّ الروائي إميل زولا. في اليوم الثالث عشر من كانون الثاني سنة خمسة آلاف وستّمئة وثمانٍ وخمسين، نشر زولا في 'لورور' رسالته المفتوحة إلى رئيس الجمهورية، على الصفحة الأولى بأحرفٍ هائلة: 'إنّي أتَّهم'.

وانقسمت فرنسا نصفَين. طالب الدريفوسيّون بالعدالة. وطالب المعادون لدريفوس بأن يُدافَع عن الجيش بأيّ ثمن. تَخاصمت الأسرةُ مع الأسرة على مائدة العشاء، حتى رَسَمَهم كاران داش في كاريكاتيره. كانت إعادة محاكمةٍ بعد إعادة محاكمة؛ ثمّ بُرِّئَ دريفوس نهائيّاً وأُعيد إلى سلكه سنة 1906؛ وخدم فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وسقط ابنُه في ڤيردان. وكان جالساً في كابينة الصحافة لجريدة 'نويه فرايه پريسه' الڤيينّاوية مراسلٌ شابّ اسمه تيودور هرتسل، يُشاهد الجموع تَصيح 'الموتُ لليهود' في بلاد الحرّية، فأَدركَ في تلك اللحظة أنّ المساواةَ المدنية وحدها لن تُنقذ شعبه، وكتب بعدها بسنةٍ 'دولة اليهود'.

إنّي أتَّهم — المحكمةَ العسكرية الأولى بأنّها انتهكت كلَّ حقوق الإنسان حين أَدانت متَّهماً بناءً على وثيقةٍ أُخفيت عن الدفاع.إميل زولا، إنّي أتَّهم، لورور، 13 كانون الثاني 1898

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

قضيّة دريفوس (1894–1906) هي الفضيحة السياسية الأوفرُ توثيقاً في الجمهورية الفرنسية الثالثة. والمراجع الأكاديمية المعيارية هي L'Affaire لجان-دني بريدان (جوليار 1983؛ بالإنكليزية 1986)، وThe Dreyfus Affair in French Society and Politics لإريك كام (لونغمان 1996)، وDreyfus: Politics, Emotion, and the Scandal of the Century لروث هاريس (متروپوليتان 2010). اعتُقل النقيب ألفريد دريفوس (1859–1935)، وهو يهوديّ إلزاسيّ من أصلٍ بورجوازيّ مولهوزيّ ملحق بهيئة الأركان الفرنسية، في 15 تشرين الأوّل 1894 بشبهة كتابته 'البوردرو'، وهي وثيقة تعرض أسرار مدفعية فرنسا على الملحق العسكري الألماني ماكسيميليان فون شفارتسكوبّن.

أَدانت محكمةُ الجيش في 19–22 كانون الأوّل 1894 دريفوس استناداً إلى ملفّ سرّي لم يُسمح للدفاع بالاطّلاع عليه، خلافاً لقواعد المحاكمة العادلة. وثبت لاحقاً أنّ شهادة الخبير الخطّي ألفونس برتيون التي تَنسب الخطّ إلى دريفوس شِبْهُ علمية. ثمّ جرى الإذلال العلني في 5 كانون الثاني 1895 في فناء الكلّية الحربية، ونُقل دريفوس بعدها إلى 'جزيرة الشيطان' في غويانا الفرنسية، حيث احتُجز في الحبس الانفرادي تحت ظروفٍ قاسية أكثرَ من أربع سنوات.

بدأت القضيّةُ تَتفكَّك سنة 1896 حين اكتشف اللواء ماري-جورج پيكار، رئيسُ 'القسم الإحصائي' الجديد، أنّ خطَّ يد البوردرو يطابق خطَّ يد الرائد فيردينان والسان إستيرهازي. أخفى رؤساءُ پيكار، الجنرالان بوازدِفر وغونس، الاكتشاف ونقلوه إلى تونس. وانهارت حملةُ تزوير المقدَّم هوبير-جوزيف هنري — ومنها ما عُرف بـ'مزوَّر هنري' الذي صُنع لتشديد التُّهَم على دريفوس — حين اعتُقل هنري في آب 1898 وانتحر في زنزانته بمون-ڤاليريان. وفرّ إستيرهازي إلى إنكلترا في أيلول 1898.

تَوالت إعادات المحاكمة المدنية في رِنّ (1899، التي أعادت إدانة دريفوس عبثيّاً 'بظروفٍ مخفّفة')، والعفو الرئاسي في 19 أيلول 1899، والتبرئةُ النهائية أمام محكمة النقض في 12 تموز 1906، على خلفية حشدٍ سياسي جماهيري. استَخلَص تيودور هرتسل، وهو يُغطّي إذلال دريفوس مراسلاً لـ'نويه فرايه پريسه' في باريس، أنّ معاداة السامية لا يمكن علاجها داخل الأطر الوطنية الأوروبية؛ وصدر كتابه Der Judenstaat في ڤيينّا في شباط 1896. ويتتبَّع كتابُ مايكل برنز Dreyfus: A Family Affair (هاربر 1991) أثرَ القضيّة على عائلة دريفوس عبر ثلاثة أجيال. وأنتجت القضيّةُ أيضاً اصطفافاً سياسياً فرنسيّاً طويل الأمد: عَزَّزَت الراديكاليّين الجمهوريّين، وكَسَرت السلطةَ السياسية لليمين الكاثوليكي الملكي، وأَسهمت مباشرةً في قانون فصل الدين عن الدولة سنة 1905.

كان دريفوس اللحظةَ التي تَكشَّفت فيها معاداةُ السامية السياسية الحديثة لا بقايا للمسيحية الوسيطة بل سِمةً بِنيوية للسياسة الديمقراطية الجماهيرية.حنّة آرنت، أصول الشمولية (1951)، الفصل الرابع