تجديد المذبح ومعجزة قارورة الزيت
يهوذا المكّابي يُطهّر الهيكل ويُقيم مذبحاً جديداً، فيُدشّنه في الخامس والعشرين من كِسليو ثمانية أيّام — هكذا يولد عيد الحَنُكّاه.
الرواية الكتابية
لمّا قهر يهوذا المُلقَّب المكّابي وإخوته جيوش لِسياس عند بيت-صور، وانفتح طريق القدس أمامهم، صعدوا إلى جبل صهيون لينظروا ما يجدون. فرأوا القُدس مهجوراً، والمذبح مدنَّساً، والأبواب محرَّقة، والأعشاب نابتةً في الأفنية كأنّها غابة، وحُجرات الكهنة مهدومة. فمزّقوا ثيابهم، وندبوا ندبةً عظيمة، وذرّوا الرماد على رؤوسهم، وسقطوا على وجوههم إلى الأرض، ونفخوا في أبواق الإنذار، وصرخوا إلى السماء.
ثمّ أقام يهوذا رجالاً يقاتلون أهل الحصن إلى أن يُطهّر المكان المقدّس. واختار كهنةً أطهارَ السيرة، يُحبّون الشريعة: فطهّروا الأقداس، وأخرجوا الحجارة الدنسة إلى موضعٍ نجس. وأمّا مذبح المحرَقات الذي تدنّس، فتشاوروا فيه: فجاء على بالهم رأيٌ صائب — أن يهدموه، لئلاّ يبقى لهم عاراً لأنّ الأمم نجّسوه. فهدموا المذبح، ووضعوا حجارته في جبل الهيكل في موضعٍ مناسب، إلى أن يأتي نبيٌّ يُجيب فيها.
ثمّ أخذوا حجارةً صحيحةً كما تأمر الشريعة، وبَنوا مذبحاً جديداً على هيئة الأوّل؛ ورمّموا القُدس وما في داخله، وقدّسوا الأفنية. وصنعوا أيضاً آنيةً مقدّسة جديدة، وأدخلوا إلى الهيكل المنارة، ومذبحَي المحرَقات والبخور، والمائدة. وأحرقوا على المذبح بخوراً، وأضاؤوا السُرُج التي على المنارة، لتُضيء في الهيكل.
وفي اليوم الخامس والعشرين من الشهر التاسع، وهو شهر كِسليو، في السنة الثامنة والأربعين بعد المئة لمملكة اليونان، باكروا في الصباح، وقدّموا ذبيحةً كما تأمر الشريعة على مذبح المحرَقات الجديد الذي صنعوه. وانظر، في الوقت نفسه واليوم نفسه الذي دنّسته فيه الأمم، في ذلك اليوم دُشِّن بالأناشيد والقيثارات والكنّارات والصنوج. فسقط الشعب كلّه على وجوههم، وسجدوا، وحمدوا إله السماء الذي أنجحهم. واحتفلوا بتدشين المذبح ثمانية أيّام؛ وأمر يهوذا وإخوته وجماعة إسرائيل كلُّها أن تُحفظ أيّام تدشين المذبح في موسمها سنةً بعد سنة، ثمانية أيّام.
وانظر، في الوقت نفسه واليوم نفسه الذي دنّسته فيه الأمم، في ذلك اليوم دُشِّن بالأناشيد والقيثارات والكنّارات والصنوج.المكّابيّون الأوّل ٤:٥٤
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
جرى تجديد مذبح الهيكل في الخامس والعشرين من كِسليو ١٤٨ بحسب التقويم السلوقيّ — وهو ما يقابل منتصف ديسمبر ١٦٤ ق.م — أي بعد ثلاث سنواتٍ بالضبط من نَصب أنطيوخس الرابع إيبيفانس مذبحاً لزيوس الأولِمبيّ عليه (المكّابيّون الأوّل ٤:٥٢–٥٩؛ الثاني ١٠:١–٨). والتاريخ متماثلٌ عمداً، وهذا أحد أهمّ الأسباب التي تجعل الباحثين يَعدّون المكّابيّين الأوّل سجلاًّ بلاطياً حشمونائياً: فقد أُسّس عيد الحَنُكّاه ليُخلّد ولـ׳يَطْقَسَ׳ فعلَ شرعنةٍ أسريّ.
وتحفظ الأدبيات المكّابيّة تعليلَين متمايزَين للعيد. يُقرّر المكّابيّون الأوّل ٤:٥٩ احتفالاً من ثمانية أيّامٍ دون بيان سببٍ للعدد ثمانية. ويُعطي المكّابيّون الثاني ١٠:٦ سبباً: يحتفل المقاتلون المكّابيّون بالحَنُكّاه بوصفه عيد مظالٍّ مؤجَّلاً، وهو العيد الخريفيّ ذو الأيّام الثمانية الذي لم يستطيعوا حفظَه في البريّة. أمّا مَجِلّة أنطيوخس، وهي درجٌ آراميّ غامض التأريخ (ربّما القرن السابع أو الثامن الميلاديّ) كان يُتلى في بعض الجاليات حتى العصور الوسطى، فتمزج التقليدَين معاً وتضيف زخارف أسطوريّة.
أمّا معجزة قارورة الزيت الطاهرة الشهيرة التي اشتعلت ثمانية أيّام — נס פך השמן — فلا ترد في الأدبيات المكّابيّة، ولا عند يوسيفوس، ولا في مَجِلّة أنطيوخس. وأقدم شاهدٍ لها سُجَيّةُ التلمود البابليّ شَبّات ٢١ب، التي حُرِّرت في أواخر العصر الساسانيّ. وتحلّ المعجزة محلّ الانتصار العسكريّ في قلب العيد بمعجزةٍ عنائيّةٍ أعمق، وهو ما يلائم جاليةَ شتاتٍ بلا هيكلٍ ولا جيش.
وأثرياً، يبدو التصميم الحشمونائيّ لجبل الهيكل جزئياً في البناء تحت توسعة هيرودس اللاحقة. فمداميك الحجارة المنحوتة الحشمونائية، التي تُعرف بحوافها المؤطَّرة الدقيقة، تظهر في الجدار الشرقيّ لجبل الهيكل — و׳الفُرجة المستقيمة׳ المعروفة في الجزء الجنوبيّ، حيث يلتقي البناءان الهيروديّ وما قبله، تُشير إلى الحدّ الجنوبيّ للحرم الحشمونائيّ. وقد وسّعت حفريات يَجال شيلو في مدينة داود (١٩٧٨–٨٥) ثم حفريات موقف غَفعاتي الحديثة سجلَّ الثقافة المادّية لقدس الحشمونائيّين تدريجياً.
معجزة قارورة الزيت حاخاميّةٌ لا مكّابيّة؛ تُحوّل عيد نصرٍ إلى عيد عناية — وهو بالضبط التحوّل الذي احتاجته اليهوديّة المنفيّة.لي ليفين، اليهودية والهلنستية في العصور القديمة (١٩٩٨)، بتصرّف