الإمبراطورية الحِثّيّة
إمبراطورية الأناضول البرونزيّة — مَصدرُ الشكل الأدبيّ لعهد سيناء، وبَنو حَتّ في سفر التكوين.
الرواية الكتابية
بين الشعوب السبعة التي يُعدِّدها سفر التَثنية بوصفها سكّانَ أرض الميعاد — الحِثّيّون والجَرجاشيّون والأموريّون والكنعانيّون والفرزيّون والحوّيّون واليبوسيّون — يَتقدّم الحِثّيّون. ويُقدّمهم سفرُ التكوين شعباً مستقرّاً ذا ممتلكات في تلال الوسط: يَشتري إبراهيم مغارةَ المكفيلة من عِفرون الحِثّي بأربعمئة شاقل فضّة على مَسمع شيوخ بَني حَتّ المجتمعين عند بوّابة الخليل، أوّلَ معاملة عقارية في الكتاب. ويتزوّج عيسو امرأتَين حِثّيّتَين. وأُوريّا، الجنديُّ الذي يُرسله داود ليموت، حِثّيّ.
ولأكثر من ألفَي سنة، كان العلماءُ الذين حاولوا أن يَجدوا هؤلاء الحِثّيّين الكتابيّين في العالم خارج الكتاب يَعودون بخفّيّ حُنين. سَمَّت الكتاباتُ المصريّة إمبراطورية شمالية كبرى باسم خِتَّا؛ وسمَّت الألواحُ الآشورية أرضَ حَتّي؛ لكن لم يَربط أحدٌ بينها وبين خِتّيم العبرية. وعَدّ فولتير في القرن الثامن عشر غيابَ الحِثّيّين من المصادر اليونانية-الرومانية دليلاً على عدم موثوقيّة الكتاب. ثم في أواخر القرن التاسع عشر اكتُشفت أرشيفاتُ بُغازكوي المسماريّة في وَسَط الأناضول وقُرئت، فاتّضح: لقد كانت هناك بالفعل إمبراطوريةٌ حِثّيّةٌ كبرى، حَكمت الأناضول وشمال سوريا نصفَ ألفيّة.
ولا يَنطبق 'الحِثّيّون' الكتابيّون لتلال الجنوب انطباقاً تامّاً على الحِثّيّين الإمبراطوريّين في حَتّوسا — ويُميّز كثيرٌ من الباحثين دائرةً ثقافية حِثّيّة-جديدة من إمارات أناضولية-سورية ما بعد الإمبراطورية، أرجحَ أن تكون بيئةَ عِفرون وأُوريّا. لكنّ السؤال الذي ظنّه فولتير حاسماً — هل وُجد الحِثّيّون أصلاً — أُجيب عنه نهائياً بالمعول وفكّ الترميز.
وأبلغُ من ذلك التوازي الأدبيّ. يَنبني سفرُ التَثنية ميثاقاً بين الربّ وإسرائيل، له ديباجة، ومقدّمة تاريخية، وأحكام، وشهود، وبركات ولعنات، وأحكام للحفظ والتلاوة الدورية العلنية. ولا تَجد للشكل توازياً مقنعاً في معاهدات مصر أو آشور أو الرافدَين في حقبة الكتاب — إلّا في معاهدات السيادة الحِثّيّة من العصر البرونزي المتأخّر، التي يَظهر فيها كلُّ عنصرٍ بالترتيب نفسه. فعهدُ سيناء، الذي يَتوسّط فيه موسى، يَأخذ شكلَه الأدبيَّ من الدبلوماسيّة الإمبراطورية لحَتّوسا.
فثبت حقلُ عِفرونَ الذي في المكفيلة الذي قبالة مَمرا، الحقلُ والمغارة التي فيه وكلُّ الشجر... لإبراهيم مُلكاً أمام بَني حَتّ.سفر التكوين ٢٣:١٧-١٨
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
الإمبراطوريةُ الحِثّيّة دولةٌ هندو-أوروبية مَركزها هضبة الأناضول، وعاصمتها حَتّوسا (بُغازكاله الحديثة، تركيا). ويَمتدّ تاريخها السياسيّ من المملكة القديمة لحاتّوسيلي الأوّل (نحو ١٦٥٠ ق.م)، عبر المملكة الحديثة لشُبّيلوليوما الأوّل (نحو ١٣٤٤ ق.م)، إلى انهيارها المفاجئ نحو ١١٨٠ ق.م في انفجار العصر البرونزي المتأخّر. وفي أوجها حَكمت الأناضول، وسَيطرت على شمال سوريا جنوباً حتى قَدَش على نهر العاصي، وكانت ندَّةً برونزيّة لمصر وآشور وبابل.
أعادت تنقيباتُ هوغو فينكلر عام ١٩٠٦ في بُغازكاله نحو ٣٠٠٠٠ لوحٍ مسماريّ من أرشيفِ دولةٍ على قلعة بُويوكاله. وفكُّ ترميزها على يد بيدرجيخ هروزني، المعلَن أمام جمهور برلين عام ١٩١٥، أرسى أنّ الحِثّيّة هي اللغة الهندو-أوروبية الأقدم الموثَّقة. وتَتضمَّن الذخيرةُ حوليّاتٍ ملكيّة، ومعاهدات، ونصوصاً ميتولوجيّة، وفؤوسَ تنبّؤ، وتراتيل، وصلوات، وطقوسَ أعياد، ومدوّنةً قانونيّة واسعة؛ ومنشوراتُها الأساسية سلسلتا KBo وKUB.
تَأتي معاهدةُ السيادة الحِثّيّة الشكلَ الأكثر اتّصالاً مباشراً بدراسة الكتاب. ومن أمثلتها معاهدة شُبّيلوليوما مع نِقمَدّو الثاني من أُوغاريت، ومعاهدة مُورشيلي الثاني مع مَنابا-تَرحونتا من أرض نهر سيخا، وأشهرها معاهدةُ قَدَش بين حاتّوسيلي الثالث ورمسيس الثاني (١٢٥٩ ق.م) — محفوظةً بنسختَين حِثّيّة (لوح مسماريّ من حَتّوسا) ومصرية (نسخة هيروغليفية على جدار الكَرنك)، وهي أقدم معاهدة دولية بقيت نسختا طرفَيها معاً.
وتنقسم المسألةُ الحِثّيّة-الكتابيّة إلى طبقتَين. فـ'الحِثّيّون' في سفر التكوين — صغارُ ملاك أرض التلال الجنوبية الذين يَشتري منهم إبراهيم — يُقرأون على نطاق واسع باعتبارهم سكّاناً ذوي أصل أناضوليّ في جنوب الشام في العصر البرونزي المتأخّر، وربّما يُسمَّون 'الحِثّيّون-الجدد' أو يكون اللفظُ عامّاً لمُلاكٍ غير إسرائيليّين. أمّا حِثّيّو نقد شكلِ عهد سيناء فهم الحِثّيّون الإمبراطوريّون لحَتّوسا، الذين عَرَف الكتّاب العبريّون نموذجَ معاهدتهم إمّا باتّصال مباشر في العصر البرونزي المتأخّر أو عبر وسطاء حِثّيّين-جدد.
أنقذ اكتشافُ أرشيفات الحِثّيّين وفكُّ ترميزها في مطلع القرن العشرين حضارةً كاملة من النسيان، وأعاد ضبطَ فهمنا للنظام الدوليّ في العصر البرونزي المتأخّر.تريفور برايس، مملكة الحِثّيّين (طبعة منقّحة ٢٠٠٥)