بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
تدمير الهيكل الثاني
قصة

يوسيفوس فلافيوس المؤرّخ

٣٧-١٠٠ م

قائدٌ جليليٌّ صار مَوْلىً رومانيّاً، يَكتب ״الحربَ اليهوديّة״ و״الآثارَ״ — مصدرَنا الأوّل للعصر الثاني للهيكل.

الرواية الكتابية

وُلد يوسف بن متّى في القدس في السنة الأولى لكاليغولا، من بيت كهنوتٍ من أبيه ومن مُلوكٍ حشمونيّين من أمّه. ويتباهى في سيرته الذاتيّة بأنّ حاخامي القدس كانوا يَستشيرونه في مسائل التوراة في الرابعة عشرة — مديحٌ لذاته لم يُحبِّبه إلى قُرّائه في أيّ قرن — وأنّه في السادسة عشرة جَرّب كلَّ مدارس اليهوديّة الكبرى تباعاً: الفرّيسيّين والصدّوقيّين والأسينيّين، وأمضى ثلاث سنواتٍ أيضاً في البرّية مع ناسكٍ يُدعى بانّوس، قبل أن يَستقرّ على الطريق الفرّيسيّ.

كان في السادسة والعشرين حين أُرسل في وفدٍ إلى رومة لتحرير كهنةٍ سَجَنهم الوالي فيلكس، وقد طَبعت الرحلةُ فيه أَثرها: تَحطُّمُ سفينته، السباحةُ ليلاً إلى سفينة إنقاذٍ قَيرَوانيّة، اللقاءُ في بلاط نيرون الذي رتّبته الإمبراطورةُ بوبّيا — التي كانت لها ميولٌ إلى اليهود. عاد سنة ٦٥ إلى ولايةٍ على شَفا الثورة، ولمّا اندلعت الحربُ في السنة التالية على غير مشورته، عَيّنه السنهدرين قائداً للجليل، الجبهةِ الأولى التي سيُهاجمها الرومان.

حصّن البلدات؛ وجمَع جيشاً من فلّاحينَ مُكرَهين؛ وحُوصِر في يوتاباتا سبعةً وأربعين يوماً، حتى سقطت المدينةُ ونجا معه أربعون جندياً إلى صهريجٍ تحت الأرض. هناك أَقسموا على الموت لا الاستسلام، واقترعوا في حلقةٍ مَن يَقتل مَن. كان يوسف وآخرُ آخرَ اثنَين — صُدفةً، يقول؛ بحيلة، يَشكّ قُرّاؤه دائماً — فأَقنع يوسف الآخرَ بالاستسلام معه. سِيق مكبَّلاً إلى أمام فِسبسيان، فتنبّأ بأنّ القائد سيكون قيصراً؛ وبعد ثمانية عشر شهراً صار فِسبسيانُ كذلك، وأُطلق يوسف، ومُنح المواطنة واسماً رومانيّاً: تيتُس فلافيوس يوسيفوس.

صَعد مع تيتس إلى حصار القدس سنة ٧٠، يُراقب من صفوف الرومان مدينة وُلده تَحترق، والهيكل يُهدَم، والناجين يُصلَبون بالآلاف أو يُساقون إلى العبوديّة. تَوسّل إلى المُدافعين — بالعبرية والآرامية، من خارج السور — أن يَستسلموا. فرَموه بالحجارة. بعد الحرب استقرّ في رومة على عَطيّة فِسبسيان، في بيتٍ كان مَنزل الإمبراطور الخاصّ، وانصرف إلى العمل الذي سيلتهم بقيّة عمره: أن يَكتب باليونانيّة تاريخَ شعبه المُختفي للعالم اليونانيّ-الرومانيّ الذي دمّره.

رويتُ قصّة الحرب راوياً أميناً لا مُحرّضاً. وعندي بلادي أَعزّ من أيّ قائدٍ أو قارئ.يوسيفوس، الحرب اليهوديّة، المقدّمة (بتصرّف)

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

تيتس فلافيوس يوسيفوس (٣٧ - نحو ١٠٠ م) هو المصدر التاريخيّ الرئيس لكلّ عصر الهيكل الثاني وليهوذا في القرن الأوّل، ولا تُمكن المبالغة في أهميّته للدراسات. فكلُّ ما نعرفه تقريباً عن المملكة الحشمونيّة، وحُكم هيرودس الكبير، والأَكاسرةِ والولاة (بمن فيهم بيلاطُس البُنطيّ)، والأحزاب اليهوديّة (الفرّيسيّون، الصدّوقيّون، الأسينيّون، الغيوريّون، السكاريّون)، وأحداث الحرب اليهوديّة (٦٦-٧٣ م)، وسقوط مَسادا — يأتي من يوسيفوس، وكثيراً ما يكون المصدرَ الباقيَ الوحيد. وقد بَنى تفسيرُ ستيف ميسون متعدّد المجلّدات في دار بريل (٢٠٠٠-)، وأعمالُ تِسّا راياك وبير بيلده ولويس فلدمان، جهازاً نقديّاً معاصراً مُتطوّراً حول النصوص.

ويوسيفوس حاسم أيضاً لتاريخ المسيحيّة المبكّرة، أساساً عبر مَقطعَين في الآثار سفر ١٨: الشهادةُ الفلافيّة (١٨:٦٣-٦٤)، وهي إشارةٌ مقتضبةٌ إلى يسوع باقيةٌ في صورةٍ ذاتِ تَدخّلٍ مسيحيٍّ واضح لكنّ أكثر الباحثين يَقبلون اليوم لُبَّها الأصيل؛ وإشارةُ يعقوب أخي يسوع المسمَّى المسيح، الذي أَعدمه رئيسُ الكهنة حنانُ سنة ٦٢ م (١٨:١٩٧-٢٠٣). ومَقطعُ يعقوبَ مقبولٌ عموماً بوصفه أصيلاً، ويُقدّم أحدَ أقدم الإثباتات غير المسيحيّة لوجود يسوع. وكانت الشهادةُ موضوعَ أدبيّاتٍ بحثيّةٍ ربّما أكثر من أيّ فِقرةٍ أخرى في العصور الكلاسيكيّة.

وقد نُوقشت موثوقيّتُه بشدّة منذ العصور القديمة. يوسيفوس مُدافِعٌ صريح — عن نفسه في الفيتا، عن شعبه في ضدّ أبيون، عن مَوالِيه الفلافيّين في الحرب اليهوديّة. يُضخّم دَوره، ويُقلّل من شأن الأحداث غير المُجاملة، ويُدخل النصرَ الرومانيَّ في الهزيمة اليهوديّة. لكنّه أيضاً ناقلٌ دقيقٌ راجَع وثائقَ رسميّة (كان له اطّلاعٌ على تعليقات فِسبسيان الشخصيّة على الحرب)، وحيثما أَمكن التحقّقُ من أقواله أَثريّاً — تصميمُ هيرودِيون، ومَنحدرُ حصارِ مَسادا، وتخطيطُ قلعةِ أنطونيا — فقد أُكِّدت مراراً بالتنقيب، أَلمعَ ما يكون في عمل يغئال يَدين في مَسادا (١٩٦٣-٦٥).

ونقلُ أعماله ذاتُه قصّةٌ غيرُ عاديّة. نَجت الحربُ اليهوديّة لأنّ أوريجين ويوسابيوس استشهدا بها؛ ونَجت الآثارُ لأنّ النُسّاخ المسيحيّين في القرون الوسطى ثَمّنوها خلفيّةً للعهد الجديد. ورَفض التقليدُ اليهوديُّ يوسيفوس بوصفه خائناً — فلا يوسيفوس عبريَّ النصّ حتى ״سفر يُوسيفون״ في القرون الوسطى، وهو إعادةُ صياغةٍ على بُعد مراحلَ من الأصل — وقد حُفظ نصُّه اليونانيُّ كاملاً على يد نُسّاخٍ مسيحيّين. ولم يُستردّ يوسيفوس إلى الوعي التاريخيّ اليهوديّ إلّا مع النهضة وقيام الفلسفة النصّيّة النقديّة، ويبقى، بعد ألفَي عام، الشاهدَ الذي لا يُستغنى عنه على العالم الذي أَحرقه الرومان.

بدون يوسيفوس، تَبتدئ العصورُ المظلمةُ من التاريخ اليهوديّ لا في سنة ٧٠ م بل قبل ذلك بأربعة قرون، مع إغلاق الكتاب العبريّ. هو الجسرُ فوق الصمت.تِسّا راياك، يوسيفوس: المؤرّخ ومجتمعه (١٩٨٣)، بتصرّف