بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
الانقسام السني الشيعي
قصة

معركة كربلاء

680 م

الحسين بن علي، حفيد النبيّ، يُستشهد ومعه اثنان وسبعون من أصحابه في سهل كربلاء — الاستشهاد المؤسِّس للإسلام الشيعي.

الرواية الكتابية

في اليوم العاشر من شهر محرّم سنة إحدى وستّين للهجرة — العاشر من تشرين الأوّل/أكتوبر سنة 680 ميلادية — أُحيطت قافلةٌ صغيرة من اثنَين وسبعين رجلاً، ومعهم نساؤهم وأطفالهم، في سهل كربلاء الصحراوي على نهر الفرات. على رأسها يَركَب الحسين بن عليّ، ابنُ عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت النبيّ — حفيدُ محمّد نفسه، آخر أحفاده الأحياء، الرجلُ الذي أقسم أهل الكوفة في رسائلهم أن يدافعوا عن حقّه في الخلافة.

كذبت الرسائل. لم ينهض أهل الكوفة حين ظهر جيشُ الخليفة الأموي يزيد في أُفقهم. تُرِك الحسين وحده مع أهل بيته وثُلّة أصحابه؛ مُنع عنه الفرات؛ ثلاثةَ أيّامٍ بكى أطفاله للماء فلم يَجدوه. صباح عاشوراء خرج رجاله واحداً واحداً ليُقتلوا. ركب هو، صائماً جريحاً، فَرَسَه آخرَهم؛ أصاب سهمٌ رضيعَه بين يديه؛ وأصاب سهمٌ آخر حلقَه. قُطع رأسه وحُمل إلى دمشق، ودِيس جسده حيث سقط.

من ذلك اليوم، في ذاكرة الإسلام الشيعي، يُؤرَّخ كلّ حزن. كانت أمّهات الكوفة يحلمن به قروناً؛ سيكتب شعراء إيران عن عطشه عطشَ العالم؛ وسيلطم رجال كربلاء صدورهم في كلّ عاشوراء ويبكون على حفيد النبيّ الذي تركه أبناء عمومته. ونما حول قبره مَشهَد، وحول المشهد مدينة، وحول المدينة لاهوتٌ — لاهوت الألم القدسيّ، وللعادل الذي أَسقطه الحاكم الجائر، وللصفوة الباقية التي تخسر العالم وترث الجنّة.

حزنت الأكثرية السنّية في الإسلام على الحسين كذلك — فلا مسلم لا يُعظِّم حفيدَ النبيّ — لكنّها لم تجعل من موته حجر زاوية إيمانها. أمّا الشيعة فجَعَلَتْ. ومنذ ذلك الصباح في سهل كربلاء، افترق إسلامان: واحدٌ ذكرى نسلِ عليٍّ فيه فاجعةٌ تاريخية، وآخر هي فيه الجرح المفتوح الذي تتدفّق منه رحمة الله. وفي كلّ محرّم، بعد أربعة عشر قرناً، يُفتَح الجرح في مواكبَ من بيروت إلى لكناو، وترتفع الصرخة: يا حسين.

موتٌ في عزٍّ خيرٌ من حياةٍ في ذلٍّ.الحسين بن عليّ مخاطباً أصحابه عشيّةَ عاشوراء (الطبري، تاريخ)

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

وقعت معركة كربلاء في 10 محرّم 61 هـ (10 تشرين الأوّل/أكتوبر 680 م) على الضفّة الغربية للفرات، على بُعد ستّين ميلاً جنوب غرب بغداد الحديثة. أهمّ المصادر المبكّرة تاريخ الرسل والملوك للطبري (ت 923)، المعتمِد على نطاق واسعٍ على المُصنَّف المفقود لأبي مخنف (ت 774)، وأنساب الأشراف للبلاذري (ت 892). أعاد ويلفرد مادلونغ بناء الأحداث بالتفصيل في الخلافة بعد محمّد: دراسةٌ في الخلافة المبكّرة (كامبردج 1997)، أكثرَ المعالجاتِ المعاصرة صرامةً في نقد المصادر.

كانت الأزمة من تَبِعات الفتنة الأولى السياسية (656-661)، التي قُتل فيها عليّ بن أبي طالب وآلت الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان من بني أميّة. ولمّا توفّي معاوية سنة 680 وخلفه ابنه يزيد الأوّل، رفض شيعة عليٍّ التوارث الأُسَري. دعا أهلُ الكوفة في رسائلهم الحسينَ، الابن الثاني لعليٍّ وفاطمة، أن يأتيهم لقيادة ثورة؛ فخرج من مكّة باثنَين وسبعين من أصحابه وأهل بيته، متوقّعاً نصرةً كوفية لم تتحقّق. اعترضه والي بني أميّة عُبيد الله بن زياد في كربلاء، وأمر بقتله.

كتاب محمود أيّوب الألم الفِدائي في الإسلام (Mouton 1978) هو الدراسة الأكاديمية الغربية المؤسِّسة لكيفية اشتغال كربلاء في اللاهوت الشيعي. يرى أيّوب أنّ حادثة كربلاء أُعيد تشكيلها بأثر رجعي، بين أواخر القرن السابع والقرن العاشر، دراميّةً خلاصية يأخذ فيها ألم الحسين بُعداً كونياً — تطوّرٌ يَتوازى من بعض الوجوه مع لاهوت الآلام المسيحي. ويتتبّع هاينز هالم في الشيعة (إدنبرة 1991، طبعة ثانية 2004)، ونجم حيدر في الإسلام الشيعي: مدخل (كامبردج 2014) التطوّرَ المؤسَّسي لشعائر العزاء الكربلائي عبر العصور البويهية والصفوية والقاجارية.

صار مَشهَد الحسين في كربلاء بؤرة التعبّد لدى الشيعة الاثنَي عشرية. هَدمه الخليفة المتوكّل سنة 850، وأُعيد بناؤه في عهد البويهيّين في القرن العاشر، ووسّعه الصفويّون في إيران، وأُلحق به الضرر أو رُمِّم مرّاتٍ في العصر الحديث — آخرها بعد انتفاضة الشيعة سنة 1991 التي قمعها صدّام حسين. والمَشهَد مقصد زيارة الأربعين، التي صارت منذ سقوط صدّام سنة 2003 أكبرَ زيارة سنويّة في العالم. كما شكّلت ״نموذج كربلاء״ — المقاومة الأخلاقية للحكم الجائر — خطابَ الثورة الإيرانية سنة 1979 ولا تزال تَنفذُ في الفكر السياسي الشيعي إلى اليوم.

حوّل نموذج كربلاء هزيمةً سياسية من القرن السابع إلى دراميّة كونية للألم والفداء — اللحظةَ المؤسِّسة للهويّة الدينية الشيعية.بتصرّف عن محمود أيّوب، الألم الفدائي في الإسلام