الأبجدية الفينيقية
كنعانيّو صور وصيدا يختزلون الكتابة إلى اثنين وعشرين حرفاً صامتاً — أوّل أبجدية حقيقية.
الرواية الكتابية
لا يروي الكتاب المقدّس ميلاد الأبجدية. يستخدمها فحسب. حين نقرأ ‹وقال الربّ لموسى: اكتب هذا تذكاراً في الكتاب› (الخروج ١٧:١٤)، يكون وجود الكتابة — وكتابة بسيطة بما يكفي ليتعلّمها الناس العاديّون — أمراً مفروغاً منه. وتأمر التوراة عينها كلَّ إسرائيليّ بأن يكتب كلمات العهد على قوائم بيته وأن يُعلِّم بنيه قراءتها. الكتاب الذي صار أساس الديانة الغربية يفترض شعباً قارئاً، والشعب القارئ يفترض أبجديةً.
يُجلّ الكتاب المقدّس الفينيقيّين القرّاء على الرغم من إدانة دينهم. يزوّد حيرام الصُّوريّ سليمانَ بأرز لبنان وبصُنّاعٍ مَهَرة لبناء الهيكل. يُسبَك العمودان النحاسيّان ياخين وبوعَز عند عتبة الهيكل بِيد فينيقيّ — حيرام الصوري، حِرَفيّ أمّه أرملةٌ من سبط نفتالي. الفينيقيّون يديرون طرق التجارة المتوسّطية لملوك إسرائيل؛ يأتون بالذهب من أوفير؛ يبيعون الخشب والقماش المصبوغ؛ يُبقون مسالك البحر مفتوحةً. هم الجار الذي لا غنى عنه — وثنيّ غريب لكنّه ضروريّ تقنياً وتجارياً.
وفي أحواض الصبغ خاصّتهم، في سفنهم التجارية، على شظايا حجر الكلس في مدنهم المرفئيّة، يحملون شيئاً آخر سيتبنّاه إسرائيل ويحوّله: طريقةً لكتابة اللغة بالصوت لا بالصورة. الكتابات العبرية في العصر الحديدي — كتابة تقويم جَزَر، كتابة سلوام، رسائل لخيش — هي تكييفاتٌ محلّية مباشرة لحروف فينيقية.
النصّ الكتابي لا يشكر الفينيقيّين على ذلك أبداً. لكنّ الكتاب المقدّس نفسه هو أبقى نصبٍ أنجبته الأبجدية الفينيقية يوماً — أدبٌ هائل في كتابةٍ صامتةٍ صغيرة حُفظت ثلاثة آلاف عام في الحروف ذاتها التي صاغتها صور وصيدا أوّلاً.
ولْتكنْ هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقُصَّها على بنيك وتكلّم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشي في الطريق... واكتبها على قوائم بيتك وعلى أبوابك.سفر التثنية ٦:٦-٩
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
الأبجدية الفينيقية، التي تكاملت نحو ١١٠٠ ق.م واستُقرّت نحو ١٠٥٠ ق.م، كانت أوّل أبجدية حقيقية في تاريخ البشر — نظامُ كتابةٍ تمثّل فيه مجموعةٌ صغيرة ثابتة من الإشارات (٢٢ في الحالة الفينيقية) فُونيمات منفردة، لا مقاطع ولا كلمات ولا صوراً. أنظمة الكتابة السابقة — الهيروغليفية المصرية، المسمارية الرافدينية، الخطّ الكريتي الخطّي A وB، الهيروغليفية اللوويّة الأناضولية — تطلّبت كلُّها مئاتِ أو آلاف الإشارات وطبقاتٍ كَتَبية مدرَّبة. أمّا الأبجدية الفينيقية فيمكن لطفلٍ أن يتعلّمها في أسبوع.
تعود أصولها إلى الكتابة السينائية الأولى، الموثَّقة في القرنين الثامن عشر والسابع عشر قبل الميلاد على نقوش وادي الحول في وسط مصر وعلى كتاباتٍ صغيرة في مناجم الفيروز في سرابيط الخادم بسيناء. صُنعت أوّل الإشارات الأبجدية على يد عمّالٍ ناطقين بالساميّة الشمالية الغربية — كنعانيّون عمّال في مناجم مصر — استعاروا أشكالاً هيروغليفية مصرية وطبّقوا عليها مبدأ الإشارة الصوتية الأولى: كلّ إشارةٍ تمثّل أوّل صوتٍ في الكلمة الغرب-سامية للشيء المصوَّر. رأس الثور (ألْف) يصير الإشارة لِـ/ʔ/؛ والبيت (بَيت) يصير الإشارة لِـ/b/.
نقلُ الأبجدية إلى اليونان نحو القرن الثامن قبل الميلاد مفصلٌ في تاريخ الفكر الغربي. اقترض اليونانيّون أشكال الحروف الفينيقية وترتيب الإشارات (ألفا-بيتا-غاما-دلتا — ألف-بيت-جيمل-دالت الفينيقية)؛ احتفظوا بالأسماء (ألفا وبيتا كلمتان فينيقيّتان للثور والبيت، لا معنى لهما باليونانية)؛ لكنّهم أضافوا تعديلاً ثورياً: أعادوا تخصيص عددٍ من إشارات الصوامت الفينيقية التي لا مقابل لها في اليونانية (ألف، هَه، يود، عين) لتصبح حروف صائتة، فأنتجوا أوّل أبجدية قادرة على تسجيل الصوامت والصوائت معاً.
أهمّ نُصبٍ مبكّر هو تابوت أحيرام، المكتشف في المقبرة الملكية في جبيل والمنقوش نحو ١٠٠٠ ق.م بكتابةٍ فينيقية مكتملة: ‹تابوتٌ صنعه إتّوبَعْل بن أحيرام ملك جبيل لأحيرام أبيه›.
كان اختراع الأبجدية ذا أهمّيةٍ لتاريخ الفكر البشري كأهمّية اختراع العجلة لتاريخ تنقّل الإنسان. جعل القراءةَ ديمقراطية — والديمقراطيّةَ في النهاية قارئة.روبرت ك. لوغان، أثر الأبجدية (١٩٨٦)