شعوب البحر وانهيار العصر البرونزي
نحو ١١٧٧ ق.م حلّت موجة من شعوب البحر بالساحل الشامي؛ الفلسطينيّون هم الناجون الذين استوطنوا ساحل كنعان.
الرواية الكتابية
لا يسمّيهم الكتاب المقدّس ‹شعوب البحر›. يسمّيهم الفلسطينيّين، ويقول فصلٌ واحد، عَرَضاً تقريباً، إنّهم خرجوا من كَفتور — كريت. سفر عاموس، بعد ثمانية قرون، سيظلّ يذكر: ألم أُصعِد إسرائيلَ من أرض مصر، والفلسطينيّين من كَفتور، والآراميّين من قير؟ (عاموس ٩:٧). إله إسرائيل، يصرّ النبيّ، هو أيضاً الإله الذي يُهجِّر الفلسطينيّين من جزر. الهجرة التي تصفها مصادر قديمة أخرى كارثةً يذكرها الكتاب المقدّس بوصفها واحداً من إسكاناتٍ عدّة لكنعان أمر بها الإله.
حين يستوطن بنو إسرائيل في الجبال يكون الفلسطينيّون قد سبقوهم على الساحل — خمسُ مدن-دويلات في خماسيّة: غزّة، أشقلون، أشدود، جَتّ، عقرون. هم الخصوم الرئيسيّون لعصر القضاة وأوائل المملكة. لديهم الحديد ولا حديد لإسرائيل (صموئيل الأوّل ١٣:١٩-٢٢). لديهم بطلٌ يقف بطول تسع أَذرع ويتحدّى جيش إسرائيل في وادي إيلَه. يأسرون تابوت العهد عند حجر العون، ويضعونه في معبد إلههم داجون، فيجدون صنمهم محطَّماً أمامه. هم الجارُ الأجنبي الذي شكّل أوائل ملوك إسرائيل: شاول يموت في حربٍ معهم على جبل الجلبوع؛ وداود يصنع اسمه بقتله عملاقَهم.
التقليد الكتابي صريحٌ على نحوٍ غير معتاد بشأن التفوّق التقني للفلسطينيّين. ولم يكن حدّادٌ موجوداً في كلّ أرض إسرائيل — يقول المؤرّخ عن أيّام شاول — لأنّ الفلسطينيّين قالوا: لئلّا يصنع العبرانيّون لأنفسهم سيفاً أو رمحاً. كان على إسرائيل أن ينحدر إلى الفلسطينيّين ليَسُنَّ محاريثَه ومناجِله.
ما لا يحكيه الكتاب المقدّس، وما كان العالم حول الكتاب يترنّح منه، أنّ الفلسطينيّين أنفسهم كانوا لاجئين. لم يَسكنوا على ساحل كنعان من قبل. وصلوا في عاصفة، في العاصفة عينها التي أنهت حضارات العصر البرونزي، والعالم الذي دخله بنو إسرائيل كان عالَماً قد انكسر تَوّاً.
ألم أُصعِد إسرائيلَ من أرض مصر، والفلسطينيّين من كَفتور، والآراميّين من قير؟سفر عاموس ٩:٧
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
نحو ١١٧٧ ق.م — تاريخٌ صار شهيراً على لسان المؤرّخ إيريك كلاين بوصفه ‹السنة التي انهارت فيها الحضارة› — تفكّك النظام الدولي لأواخر العصر البرونزي. في نافذةٍ من خمسين سنة تقريباً (نحو ١٢٠٠-١١٥٠ ق.م) اختفت الإمبراطورية الحثّية، واحترقت أوغاريت ولم تُسكن ثانية، وانهارت الحضارة المايسينية القصرية في اليونان، وحُرقت مدن قبرص وأعيد بناؤها، وبقيت مصر تُقاتل من أجل بقائها. السبب لم يكن حدثاً واحداً بل سلسلةً متعاقبة: جفاف، عواصف زلازل في شرق المتوسّط، تمرّدات داخلية، وانهيار شبكات التجارة — وفي ذلك الفراغ، حركات شعوبٍ كبرى برّاً وبحراً.
تُسجَّل هذه المجموعات المهاجرة في النقوش المصرية بوصفها ‹شعوب البحر الأجنبية›. سُمِّيت في مَشهدَين معركيّين عظيمَين في معبد مدينة هابو الجنائزي لرمسيس الثالث: في السنة الثامنة من حكمه (نحو ١١٧٧ ق.م) صدّهم رمسيس الثالث عن دلتا النيل في معركة بَرّية وبحرية مشتركة، وسجّل كتّابُه أسماء تسع مجموعات — البَلَست، التشكر، الشكلش، الدنين، الوششن وآخرين. بينهم، على الأرجح، كان مَن يسمّيهم الكتاب المقدّس فلسطينيّين: بَلَست تصبح بِلِشتيم في الصوتيّات الساميّة المنتظمة.
الأركيولوجيا في الخماسيّة قاطعة. كشفت الحفريات في عقرون (تلّ مقنة، على يد ترودا دوثان وسيمور غيتين)، وأشقلون (لورنس ستيغر)، وأشدود، وجَتّ (تلّ الصافي، أرين ماعير) عن أفقٍ مبكر للحديد الأوّل مؤرَّخ بنحو ١١٧٥ ق.م تظهر فيه فجأةً ثقافة موادّيّة لا شَرقَ-أوسطية بتاتاً: فخّار مايسيني محلّي الصنع، مبانٍ ذات مواقد ميغارونية، أوزان نولٍ بأشكالٍ بحر-أيجيّة، عظام خنازير وكلاب وفيرة، واستهلاك ملحوظ للنبيذ المستورد.
الانهيار والهجرات معاً صنعا الفراغ الجيوسياسي الذي ظهرت فيه إسرائيل. مع انسحاب مصر من كنعان، واختفاء الحثّيّين، وتدمير أو إضعاف مدن-الدول البرونزية الكبرى، أمكن لكياناتٍ صغيرة جديدة أن تنشأ — إسرائيل في الجبال، فِلِشتيا على الساحل، ممالك آرامية في الشمال، ومدن فينيقية ناجية على الساحل — للمرّة الأولى منذ قرون.
لم تكن نهاية العصر البرونزي فقط. كانت نهاية عالمٍ مترابطٍ كوسموبوليتاني: عَولمةٌ استغرق بناؤها ألفاً وثلاثمائة سنة انهارت في أقلّ من قرن، تاركةً وراءها العصر الحديدي الأصغر والأكثر محلّيةً الذي يمكن أن تظهر فيه إسرائيل التوراتية.إيريك كلاين، ١١٧٧ ق.م: السنة التي انهارت فيها الحضارة (٢٠١٤)