بنو إسرائيل
كل القصصالخط الزمني
اقرأ بـ:Englishעבריתالعربية
تدمير الهيكل الثاني
قصة

يوحنّان بن زكّاي في يَفنه

نحو ٧٠ م

مُهرَّباً من القدس المحاصَرة في تابوت، يُفاوض الحاخامُ يوحنّان فِسبسيانَ على تأسيس الأكاديميّة التي تُنقذ اليهوديّة.

الرواية الكتابية

كانت القدسُ تَحترق. فقد اقتحَمت لُجاجُ تيتس السورَ الثالث ثم الثاني؛ وانقَطعت الذبيحةُ اليوميّةُ في الهيكل في السابعَ عشَر من تَمّوز؛ وأَطبقت المجاعةُ على المدينة؛ وأَحرق الغيوريّون داخلَ الأسوار — وقد انقسموا إلى ثلاث فِئاتٍ مُتنازعة — أهرامَ القمح ليَدفعوا بعضهم إلى القتال. ومن بين المحاصرين جَلس الحاخامُ يوحنّان بن زكّاي، أكبرُ تلامذة هلّيل الزقن الباقين على قيد الحياة، شيخٌ ظَلّ منذ البداية يَحتجّ بأنّ الحرب كارثة وأنّ الهيكل، مهما كان ثميناً، لا يَستحقّ دمار الشعب. ولم يكن الغيوريّون يَدَعون أيَّ رسولِ استسلامٍ يَخرج من المدينة حيّاً.

فأَخرجه تلامذتُه في تابوت. أَخبروا حُرّاسَ الباب أنّ معلّمَهم مات وعليهم دَفنُه خارج الأسوار قبل غروب الشمس، فإنّ الشريعة تَمنع الدفن داخل القدس. تقول روايات إنّ إليعزر ويهوشُع حَملا الجَثَّمان؛ وأخرى إنّه تابوتٌ مُختَّم؛ ويَروي التلمود (بابلي، غيتّين ٥٦أ-ب) وأبوت دَرَبّي ناتان صِيَغاً متباينةً للهروب المذهل ذاته. أَخرجوه، وعلى مسافةٍ آمنةٍ من الباب فَتحوا التابوت، فقام الشيخ ومضى يَبحث عن فِسبسيان.

وجاء يوحنّان أمامَ القائد الرومانيّ — وقد كان، بشهادة يوحنّان نفسه، رجلاً ذا هيبةِ ملك — وقال: السلامُ عليك يا مَوْلاي الإمبراطور. فقال فِسبسيانُ: ارتكبتَ جُرماً عقوبتُه الموت، فإنّي لستُ إمبراطوراً؛ ولو كنتُ، فلِمَ لم تأتِ من قبل؟ فأجاب يوحنّان: لكنّك على وَشك أن تَصير إمبراطوراً؛ وأمّا التأخير فلأنّ الغيوريّين لم يَدَعوني آتي. وبينما هما يَتحاوران وَصل رسولٌ من رومة بنَبأ أنّ نيرون مات وأنّ مجلس الشيوخ سَمّى فِسبسيانَ قيصراً. فمَدهوشاً، قال الإمبراطورُ الجديد: اطلب منّي ما تشاء. فطلب يوحنّان: أعطني يَفنه وحُكماءها.

ومُنح الطلبُ. وبينما كان الهيكلُ يحترق، والمدينةُ تُسحَق إلى تراب، والناجون يُساقون إلى العبوديّة الرومانيّة، جَمع الحاخامُ يوحنّان بن زكّاي حَلْقتَه الصغيرة من الحُكماء في بلدة يَفنه الساحليّة، وهناك شَرع في عملِ تأسيسِ اليهوديّة من جديد بلا هيكلٍ، وبلا طقسِ ذبائح، وبلا كهنوت. ستحلّ الصلاةُ محلَّ الذبيحة؛ ويَحلّ المجمعُ محلَّ الهيكل؛ ويَحلّ الحاخامُ محلَّ الكاهن؛ ودراسةُ التوراة ذاتُها ستكون فعلَ العبادة. وأَخرَجت الأكاديميّةُ الصغيرةُ في يَفنه، التي وُلدت في تابوتٍ سنة ٧٠ م، في ثمانية أجيالٍ المِشنا.

أعطني يَفنه وحُكماءها.الحاخام يوحنّان بن زكّاي إلى فِسبسيان، التلمود البابلي، غيتّين ٥٦ب (بتصرّف)

علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة

انتقالُ اليهوديّة بعد دمارِ الهيكل الثاني سنة ٧٠ م — من طقس ذبائحَ يَتمحور حول الهيكل تُديره كهنةٌ وراثيّةٌ إلى ديانةٍ تَتمحور حول التوراة عمادُها المجمعُ والدراسةُ والصلاةُ تحت قيادة الحاخامين — من أهمّ التحوّلات الدينيّة في تاريخ البشريّة. وتَضع الروايةُ التقليديّةُ، المحفوظةُ في التلمود البابلي (غيتّين ٥٦أ-ب) وأبوت دَرَبّي ناتان وميدراش إيكاه ربّاه، تأسيسَ الأكاديميّة في يَفنه على يد الحاخام يوحنّان بن زكّاي (نحو ٣٠ ق.م — نحو ٩٠ م) في مركز هذا الانتقال. وقد عَقّدت الدراساتُ النقديّةُ المعاصرةُ — منذ كتاب جاكوب نوسنر ״تَطوُّر أُسطورة״ (١٩٧٠) — الصورةَ تعقيداً جوهريّاً دون أن تَقلب لُبَّها.

ويَفنه (يامنيا باليونانيّة) كانت بلدةً ساحليّةً حقيقيّة، غربَ تلال يهوذا، صارت مركزاً إداريّاً رومانيّاً خلال الحرب وبعدها. والشواهدُ الأثريّةُ على أكاديميّةٍ حاخاميّةٍ في الموقع غائبةٌ في الأساس — لم تَكن يَفنه موضوعَ تنقيباتٍ موسَّعةٍ تُماثل ما جرى في صفّورية أو قيصرية — والمصادرُ الأدبيّةُ كلُّها متأخّرة (حُرّرت المِشنا نحو ٢٠٠ م، والتلمود البابلي نحو ٥٠٠ م). وما يُمكن قَولُه بثقةٍ أنّ الحركة الحاخاميّة تَوحّدت في مكانٍ ما على السهل الساحليّ في أواخر القرن الأوّل، وأنّ الشخصيّاتِ المُرتبطةَ بيَفنه في التقليد — يوحنّان بن زكّاي، وغمليئيل الثاني، وإليعزر بن هيركانُس، ويهوشُع بن حَنانيا، وعقيبا — أَنتجت الخطواتِ التفسيريّةَ التأسيسيّةَ لما سيُصبح اليهوديّة الحاخاميّة.

والإنجازاتُ التي يَنسبها التقليدُ إلى حَلَقة يَفنه مُذهلة. حَوَّلوا ليتورجيّاتِ الأعياد عن الذبيحة إلى الصلاة؛ وأَعادوا تَنظيمَ التقويم (يُؤرَّخ نزاعُ الحاخام يهوشُع والحاخام غمليئيل على رأس الشهر، مِشنا روش هَشانا ٢:٨-٩، إلى هذه الحقبة)؛ وبَدأوا تَوحيدَ صلاةِ العميدا في المجمع؛ وثَبَّتوا (في روايةٍ ما) قانونَ الكتاب العبريّ — وإن جادل سيد ز. ليمان وغيرُه أنّ القانون كان مُغلَقاً بصورةٍ جوهريّةٍ قبل الحرب؛ وشَرَعوا في صياغة مبادئ التفسير المِدراشيّ التي ستَحكم التأويلَ اليهوديَّ ألفَي سنةٍ تالية. ويُجادَل في ما إذا كانت كلُّ هذه عملَ ״مَجمع يَفنه״ واحدٍ (وهي تسميةٌ سَكَّها هاينريش غريتس سنة ١٨٧١) أم سيرورةً طويلةً عبر عقود.

وانتقالُ يَفنه أيضاً لحظةُ افتراقِ الطُرق البطيء بين اليهوديّة الحاخاميّة والمسيحيّة الناشئة. فبركاتُ المينيم، اللعنةُ على ״الطوائف״ التي أُضيفت إلى صلاةِ العميدا اليوميّة في يَفنه في عهد غمليئيل الثاني (نحو ٩٠ م بحسب التلمود البابلي بَراخوت ٢٨ب-٢٩أ)، يُرى على نطاقٍ واسعٍ أنّها كانت تَستهدف — من ضمن آخرين — أتباعَ يسوع اليهود، الذين لم يَعُد بإمكانهم الصلاةُ في المجمع دون أن يَلعنوا أنفسهم. وقد جادل دانيال بويارين في ״خطوط حدود״ (٢٠٠٤) وعَدِيئيل شريمر في ״إخوةٌ مُتباعدون״ (٢٠١٠) بأنّ الافتراق كان أبطأَ وأكثرَ فَوضى وأكثرَ تكويناً مُتبادَلاً ممّا اقترح السرد القديم. لكنّ الانفصال المؤسّسيّ يَبدأ في يَفنه.

ما تحقّق في يَفنه لم يكن مَجمعاً بالمعنى المسيحيّ، ولا قانوناً تشريعيّاً واحداً، بل تَوحُّدَ منهج — مَركزُه التوراة، شفهيٌّ-نصّيّ، جَدليّ — يَحمل اليهوديّة عبر ثمانية عشر قرناً بلا هيكلٍ ولا ملكٍ ولا أرض.شاي ج. د. كوهين، من المكّابيّين إلى المِشنا (الطبعة الثالثة ٢٠١٤)، بتصرّف