العبودية والخروج والبرية
الاستعباد تحت فرعون نسي يوسف، الخروج الدرامي من مصر، وأربعون عامًا من التكوين في البرية.
الرواية الكتابية
قام فرعونٌ جديد على مصر لم يعرف يوسف. نظر إلى بني إسرائيل وهم يتكاثرون في أرض جاسان فخاف: إن نشبت حربٌ انضمّوا إلى أعدائنا وثاروا علينا. فجعل عليهم رؤساء سُخرة، فبَنوا فيتوم ورعمسيس — مدينتَي مخازن على عظام شعبٍ مكبّل. وكلّما اشتدّت وطأة فرعون زادوا تكاثراً. أمر القابلتَين شِفرة وبُوعة بقتل كلّ مولودٍ ذكر. فخافتا الله ولم تُطيعا. فألقى حكمه على الأمّة كلّها: كلّ ابنٍ يُولَد ألقوه في النيل.
في النيل فعلت أمٌّ ما أُمرت به — ألقت ابنها في سفطٍ من البَرديّ مطليٍّ بالقار، مخبّأً بين القصب. وقفت أخته مِريام تراقب من بعيد. نزلت ابنة فرعون لتستحمّ عند النهر، فرأت السفط وسمعت الصبيّ يبكي فحنّت عليه. سمّته موسى لأنّها انتشلته من الماء. كبُر في قصر مَن يضطهده، أميرٌ يعلم أنّه ليس أميراً، حتى جاء اليوم الذي رأى فيه مصريّاً يضرب عبرانيّاً فقتله وهرب إلى بريّة مدين.
عند جبل الله — حوريب — اشتعلت شجيرةٌ ولم تحترق. من داخلها تكلّم الله: أنا إله آبائك. قد رأيتُ شقاء شعبي. سمعتُ صرختهم. الآن اذهَب — إنّي أُرسلك إلى فرعون لتُخرج شعبي من مصر. اعترض موسى خمس مرّات. أجاب الله على كلّ اعتراض. ثم عاد موسى إلى مصر، وبعشر ضربات — الماء دماً، الضفادع، القمل، الذباب، وباء المواشي، الدمامل، البَرَد، الجراد، الظلام، موت الأبكار — انكسرت إرادة أعظم إمبراطورية في الأرض.
في ليلة الرابع عشر من نيسان ذبح إسرائيل حَمَل الفصح، لطّخ دمه على العَتَبات وأكل مستعجلاً بنعلَيه في رجلَيه. مرّ الموت فوق البيوت المعلَّمة بالدم. قبل الفجر كان فرعون يتوسّل لإسرائيل أن يرحل. رحلوا — ستّ مئة ألف من الرجال مشاةً، سوى الأطفال والنساء والجَمع الغفير الذي معهم. انشقّ البحر. غرق الجيش. أخذت مريام دُفّها ورقصت كلّ النساء على الشاطئ البعيد: رنّموا للربّ فإنّه قد تعظّم جدّاً. على سيناء تكلّم الله من النار والرعد: أنا الربّ إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. علّمتهم البريّة أربعين سنة. ثم اجتاز يشوع الأردنّ وانتهى العصر.
قد رأيتُ شقاء شعبي الذي في مصر، وسمعتُ صُراخهم من أجل مسخِّريهم، لأنّي عرفتُ أوجاعهم.سفر الخروج ٣:٧
علم الآثار · التاريخ · علم الوراثة
الخروج هو الحدث الأكثر جدلاً في التاريخ التوراتي بأسره، بالضبط لأنّ المخاطر — اللاهوتية والقومية والأثرية — بالغة الأهمية. لا يوجد أيّ نصّ مصري يُسجّل مباشرةً رحيلاً جماعيّاً لعبيد عبرانيّين. لم يُدوّن الفراعنة هزائمهم، وتبقى سجلّات الدلتا الشرقية حيث أقام الإسرائيليون ناقصة الحفر. غياب الدليل ليس دليلاً على النفي، لكنّه لافتٌ.
الحجّة لوجود نواة تاريخية قويّة. الكلمات المصرية المقترَضة في رواية الخروج — أسماء كموسى (ms مصرية، 'مولود')، وفينحاس (Pa-nehsy)، وفيتوم (Pr-Atum) — تُشير إلى بيئة مصرية حقيقية. مدينتا المخازن بِي-رعمسيس (عاصمة رعمسيس الكبرى في الدلتا الشرقية، لم تُكتشف إلّا في القرن العشرين) وفيتوم مُثبَتتان أثريّاً. وقد وُثِّق جيّداً وجود عمّال ساميّين في مشاريع البناء المصرية في عصر المملكة الحديثة.
ثلاثة تواريخ مقترَحة تتنافس: نحو 1446 ق.م (يَضع الملوك الأوّل ٦:١ الخروجَ قبل 480 سنة من هيكل سليمان)، ونحو 1275 ق.م (متزامناً مع برامج بناء رعمسيس الثاني في الدلتا الشرقية)، وسياق انهيار العصر البرونزي المتأخّر نحو 1200 ق.م. لا توافق بين الباحثين، غير أنّ تاريخ القرن الثالث عشر تحت رعمسيس الثاني هو الأكثر دعماً أثريّاً.
يبقى اجتياز سيناء الأكثر خلافاً. جبل موسى التقليدي في جنوب شبه جزيرة سيناء هو التعريف البيزنطي؛ وجبل اللوز في شمال غرب الجزيرة العربية وجبل كركوم في النقب وعدّة مواقع أخرى لها مؤيّدوها. ولم تعثر أربعون عاماً من المسوحات الأثرية الإسرائيلية في سيناء على دليل لوجود معسكرٍ كبير في تلك الحقبة.
إسرائيل موجودة في كنعان — هنا تبدأ إسرائيل التاريخية. أمّا من أين جاءت قبل كنعان وما تتضمّنه مسيرة الخروج — فتلك هي السؤال بالضبط.وليم دِفَر (بتصرّف)